التعريف المختار لسبب ورود الحديث
د. محمد عصري زين العابدين
(moasriza@yahoo.com)
بعد المناقشة الطويلة في مقالاتي السابقة لتعاريف أو مفاهيم سبب الورود التي استشففناها من كلام بعض من سبقنا من علماء الحديث، نأتي إلى عصارة هذه المناقشة، المتمثلة في التعريف المختار له، المنبني على سبب النزول، وأقوال القدامى ومناقشتها، واستقراء الأحاديث ذوات السبب وتحليلها. مع شرحه مفصلاً.
تعريف "سبب ورود الحديث" بالإفراد
هذا المركب إضافي يتكون من ثلاث كلمات: سبب، ورود، الحديث، وإليكم تعريفها:
1- السبب:
لغةً: قال ابن منظور: السبب الحبل، وكل شيء يتوصل به إلى غيره". وفي نسخة[1]: "كل شيء يتوسل به إلى شيء غيره" وقد تسبب إليه. والجمع أسباب. وكل شيء يتوصل به إلى الشيء فهو سبب. وجعلت فلاناً لي سببا إلى فلان في حاجتي أي وصلة وذريعة"[2].
اصطلاحاً: هو عند الأصوليين: "ما يضاف إليه الحكم، لتعلق الحكم به من حيث إنه معرِّف للحكم أو غير معرِّف له". وقيل: "ما ظهر الحكم لأجله هبه شرطا أو دليلا أو علة"[3].
2- ورود:
لغةً: ورد بلد كذا وماء كذا إذا أشرف عليه، دخله أو لم يدخله. وورد فلان ورودا حضر. وأورده غيره واستورده أي أحضره[4].
اصطلاحاً: سيأتي معناه من خلال التعريف بالتركيب.
3- الحديث:
لغةً: الكلام.
اصطلاحاً: ما أضيف إلى النبي r من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو وصفٍ خُلُقي، أو وصفٍ خِلْقي[5].
تعريف "سبب ورود الحديث" بالتركيب
هو "ما دعا الحديثَ إلى وجوده، أيام صدوره". وهو التعريف المختار لدينا.
شرح التعريف:
قولنا: "ما": يعم كل ما دعا الحديث إلى الصدور من واقعة، أو سؤال، أو طلب، أو حاجة، أو ما إلى ذلك من الدواعي.
قولنا: "دعا الحديث إلى وجوده: هذا يشير إلى سببيته. أي ما كان سبباً لوجود الحديث، بحيث لولا ذلك لما كان للحديث وجود. وهذا السبب له عدة صور كما تقدمت الإشارة إليه في لفظ "ما". وهذا القيد احتراز عن عدة أمور، منها:
1- ارتباط الجزء بالكل كالركوع والسجود بالنسبة إلى الصلاة. وكغسل الوجه واليدين بالنسبة إلى الوضوء. فلا يقال: "إن سبب ركوعه r أو سجوده صلاته". أو "إن سبب غَسْل وجهه r وضوءه".
ولكن إذا حصل فزاد في عبادته المخصوصة بصفاتها المعلومة كالصلاة، أمراً يخالف طبيعة هذه العبادة التي هو يداوم عليها كالركوعات الزائدة في صلاة الكسوف، والقنوت في صلاة الوتر، والسجدتين بعد التشهد أو تسليم الصلاة، فندرك أن هذه الزيادات منوطة بالأسباب.
2- وهو كذلك احتراز من "مناسبة الحديث التي كانت سبباً لذكر الصحابي له". سبق له من الأمثلة. ومثل ما روي عن عقبة بن عامر t، قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله r قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة". قال: فقلت: "ما أجود هذه!". فإذا قائل بين يدي يقول: "التي قبلها أجود". فنظرت، فإذا عمر قال: "إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: "ما منكم من أحد، يتوضأ فَيُبْلِغُ أو فيُسْبِغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء"[6].
فهذه المناسبة ليست سببا لصدور الحديث عن النبي r، وإنما هو سبب لذكر عمر بن الخطاب t الحديث لعقبة لتأخره عن حضور جلسة النبي r.
قولنا: "الحديث": تقدم تعريفه. وهو يعم ما يفيد حكماً شرعياً، أو لا. وما صدر بعد البعثة أو قبلها.
وإنما اخترنا لفظ "الحديث"، لا "السنة"، لأن السنة أحياناً تفرق الحديث بفرقٍ دقيقٍ، كقول ابن مهدي (ت197هـ)[7]: "سفيان الثوري إمام في الحديث، وليس إماماً في السنة، الأوزاعي إمام في السنة وليس إماماً في الحديث، ومالك بن أنس إمام فيهما جميعا"[8].
علَّق الدكتور. همام عبد الرحيم سعيد على قول الأوزاعي هذا: "يستفاد من هذه العبارة، أن السنة مادة الفقهاء والأصوليين الذين يبحثون عن أقوال النبي r، وأفعاله وتقريراته، التي تستمد منها الأحكام الشرعية، وتؤخذ منها الفرائض والنوافل والإباحات، ويعرف بها الحلال والحرام. أما الحديث فهو مادة المحدث الذي يثبت النصوص كما جاءت، وقد لا يعنيه ما تحتويه هذه النصوص من أحكام دقيقة واستنباطات فقهية. وقد يجمع العالم بين الأمرين معا، كما قال ابن مهدي عن الإمام مالك بن أنس".
ثم قال: "ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن كل سنةٍ حديثٌ، وليس كلُّ حديثٍ سنةً. ومن أوضح الأمثلة على هذا، حديث "الوضوء مما مسّت النار. فعن أبي هريرة: "قال رسول الله r: "الوضوء مما مست النار ولو من ثور[9] أقط[10]". فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة! أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال أبو هريرة "يا ابن أخي إذا سمعت حديثا عن رسول الله r فلا تضرب له مثلا"[11].
"فهذا الحديث يفيد حكماً شرعياً، وهو أن من يأكل طعاماً مطبوخاً على النار، فإنه يلزمه الوضوء بعد ذلك. ولكن النبي r ترك الوضوء من ذلك، وكان يأكل ما مست النار من لحم أو غيره، ثم يقوم فيصلى بوضوئه السابق. وترك العمل بالحديث الأول لنسخ طرأ عليه، إذ رفع حكمه بحكم جاء بعده"[12].
وقال في كتاب آخر: "أما الحديث فهو أعم من السنة من حيث المفهوم؛ إذ أنه يزيد على السنة في تناوله لكل ما صدر عن النبي r، حتى ولو كان منسوخاً ليس عليه العمل، ويتناول صفة النبي r الخِلقية من حيث لونه وجسمه وشعره وطوله، وصفاته الجبلية من حيث صحته ومرضه، وما يميل إليه من الطعام وما لا يرغب فيه. فليس المقصود برواية هذه الأمور الجريان والاعتياد والاتباع، وإنما المقصود عند روايتها الوقوف على عصر النبوة، ومعرفة النبي r حتى يصبح شخصه، وعصره، ومراحل سيرته على تمام الوضوح والجلاء". وقال أيضا: "ونخلص من هذا إلى أن الحديث أعم من السنة، فكل سنة حديث، وليس كل حديث سنة. والسنة هي غاية الحديث وثمرته"[13].
وقال الدكتور. صبحي صالح[14]: "والسنة - في الأصل - ليست مساوية للحديث، فإنها -تبعاً لمعناها اللغوي - كانت تُطلَق على الطريقة الدينية التي سلكها النبي r في سيرته المطهرة، لأن معنى السنة لغةً الطريقة. فإذا كان الحديث عاماً يشمل قول النبي وفعله، فالسنة خاصة بأعمال النبي عليه السلام. وفي ضوء هذا التباين بين المفهومين، ندرك قول المحدثين أحيانا: "هذا الحديث مخالف للقياس والسنة والإجماع"، أو قولهم: "إمام في الحديث، وإمام في السنة، وإمام فيهما معا". وأغرب من هذا كله أن أحد المفهومين يدعم بالآخر، كأنهما متغايران من كل وجه، حتى صح أن يذكر ابن النديم كتابا بعنوان: "كتاب السنن بشواهد الحديث[15]". وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: "لفظ السنة في الحديث النبوي وكلام الصحابة والتابعين معناه: الطريقة المشروعة المُتَّبعة في الدين"[16].
قولنا: "إلى وجوده": أي صدوره عن النبي r قولاً، أو فعلاً، أو تقريراً، أو وصفاً خُلُقياً، أو وصفاً خِلْقياً.
وقولنا: أيام صدوره:
هذا القيد للاحتراز عن الوقائع والأحوال الماضية والمستقبلة التي ذكرت بعض الأحاديث، لأنها لا تصلح أن تكون أسباباً لما سيأتي في المستقبل. إلا أن الإمام السيوطي رحمه الله (ت911هـ) اعتبرها أسبابا لورود الحديث، وأنكرها في سبب النزول كما سبق ذكرها. وكذلك هو احتراز عما يقال بسبب الورود بعد عصر النبوة، كما فعل ابن حمزة الحسيني، كما سبق.
[1] أي نسخة أخرى للكتاب الذي نقله منه.
[2] الرازي: مختار الصحاح (تحقيق محمود خاطر، بيروت، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، 1995م) ص119، وابن منظور: لسان العرب (بيروت، دار صادر، د. ط، د.ت) ج1، ص458.
[3] المناوي، محمد بن عبد الرؤوف: التوقيف على مهمات التعاريف: (تحقيق محمد رضوان الداية، بيروت، دار الفكر المعاصر، ط1، 1410هـ) ص395.
[4] الرازي: مختار الصحاح، ص 298، وابن منظور: لسان العرب: ج3، ص457.
[5] انظر:أبو شهبه، الوسيط في علوم الحديث (القاهرة، دار الفكر العربي، د.ط، د.ت) ص15.
[6]أخرجه مسلم: كتاب كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، ج1،ص209، رقم الحديث 234.
[7] هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان. ولد سنة 135هـ، قال ابن المديني: كان أعلم الناس. وقال أبو حاتم: هو إمام ثقة، أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع. وقال أحمد: إذا حدث ابن مهدي عن رجل فهو حجة. مات بالبصرة سنة 198هـ . انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج9، ص199، والسيوطي، طبقات الحفاظ، ج1، ص144.
[8]الزُّرقاني: محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطأ مالك (بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1997م) ج1، ص36.
[9]الثور: قطعة من الأقط. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ج1، ص228.
[10]الأقط: اللبن الجامد المستحجر.المصدر نفسه، ج1، ص228.
[11]هذا الحديث أخرجه الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار، ج1، ص114، رقم الحديث 79.
[12] همام عبد الرحيم سعيد، التمهيد في علوم الحديث (عمَّان، دار الفرقان للنشر، ط1، 1992م) ص12.
[13] همام سعيد، الفكر المنهجي عند المحدثين (قطر، رئاسة المحكمة الشرعية، ط1، 1987) ص28-30.
[14]د.صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه (بيروت، دار العلم للملايين، ط17، 1988م) ص6.
[15]قال في ترجمة المروزي أحمد بن محمد بن الحجاج: "وله من الكتب: كتاب السنن بشواهد الحديث". ابن نديم، محمد بن إسحاق، الفهرست (بيروت، دار المعرفة، د.ط.، 1978م) ج1، ص 321. وكذلك ذكر قبله في ترجمة الأثرم أبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ: "له كتاب السنن في الفقه على مذاهب أحمد وشواهده من الحديث": ج1، ص32.
[16] عبد الفتاح أبو غدة، السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي (دمشق، دار القلم، ط1، 1992م) ص19.
د. محمد عصري زين العابدين
(moasriza@yahoo.com)
بعد المناقشة الطويلة في مقالاتي السابقة لتعاريف أو مفاهيم سبب الورود التي استشففناها من كلام بعض من سبقنا من علماء الحديث، نأتي إلى عصارة هذه المناقشة، المتمثلة في التعريف المختار له، المنبني على سبب النزول، وأقوال القدامى ومناقشتها، واستقراء الأحاديث ذوات السبب وتحليلها. مع شرحه مفصلاً.
تعريف "سبب ورود الحديث" بالإفراد
هذا المركب إضافي يتكون من ثلاث كلمات: سبب، ورود، الحديث، وإليكم تعريفها:
1- السبب:
لغةً: قال ابن منظور: السبب الحبل، وكل شيء يتوصل به إلى غيره". وفي نسخة[1]: "كل شيء يتوسل به إلى شيء غيره" وقد تسبب إليه. والجمع أسباب. وكل شيء يتوصل به إلى الشيء فهو سبب. وجعلت فلاناً لي سببا إلى فلان في حاجتي أي وصلة وذريعة"[2].
اصطلاحاً: هو عند الأصوليين: "ما يضاف إليه الحكم، لتعلق الحكم به من حيث إنه معرِّف للحكم أو غير معرِّف له". وقيل: "ما ظهر الحكم لأجله هبه شرطا أو دليلا أو علة"[3].
2- ورود:
لغةً: ورد بلد كذا وماء كذا إذا أشرف عليه، دخله أو لم يدخله. وورد فلان ورودا حضر. وأورده غيره واستورده أي أحضره[4].
اصطلاحاً: سيأتي معناه من خلال التعريف بالتركيب.
3- الحديث:
لغةً: الكلام.
اصطلاحاً: ما أضيف إلى النبي r من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو وصفٍ خُلُقي، أو وصفٍ خِلْقي[5].
تعريف "سبب ورود الحديث" بالتركيب
هو "ما دعا الحديثَ إلى وجوده، أيام صدوره". وهو التعريف المختار لدينا.
شرح التعريف:
قولنا: "ما": يعم كل ما دعا الحديث إلى الصدور من واقعة، أو سؤال، أو طلب، أو حاجة، أو ما إلى ذلك من الدواعي.
قولنا: "دعا الحديث إلى وجوده: هذا يشير إلى سببيته. أي ما كان سبباً لوجود الحديث، بحيث لولا ذلك لما كان للحديث وجود. وهذا السبب له عدة صور كما تقدمت الإشارة إليه في لفظ "ما". وهذا القيد احتراز عن عدة أمور، منها:
1- ارتباط الجزء بالكل كالركوع والسجود بالنسبة إلى الصلاة. وكغسل الوجه واليدين بالنسبة إلى الوضوء. فلا يقال: "إن سبب ركوعه r أو سجوده صلاته". أو "إن سبب غَسْل وجهه r وضوءه".
ولكن إذا حصل فزاد في عبادته المخصوصة بصفاتها المعلومة كالصلاة، أمراً يخالف طبيعة هذه العبادة التي هو يداوم عليها كالركوعات الزائدة في صلاة الكسوف، والقنوت في صلاة الوتر، والسجدتين بعد التشهد أو تسليم الصلاة، فندرك أن هذه الزيادات منوطة بالأسباب.
2- وهو كذلك احتراز من "مناسبة الحديث التي كانت سبباً لذكر الصحابي له". سبق له من الأمثلة. ومثل ما روي عن عقبة بن عامر t، قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله r قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة". قال: فقلت: "ما أجود هذه!". فإذا قائل بين يدي يقول: "التي قبلها أجود". فنظرت، فإذا عمر قال: "إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: "ما منكم من أحد، يتوضأ فَيُبْلِغُ أو فيُسْبِغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء"[6].
فهذه المناسبة ليست سببا لصدور الحديث عن النبي r، وإنما هو سبب لذكر عمر بن الخطاب t الحديث لعقبة لتأخره عن حضور جلسة النبي r.
قولنا: "الحديث": تقدم تعريفه. وهو يعم ما يفيد حكماً شرعياً، أو لا. وما صدر بعد البعثة أو قبلها.
وإنما اخترنا لفظ "الحديث"، لا "السنة"، لأن السنة أحياناً تفرق الحديث بفرقٍ دقيقٍ، كقول ابن مهدي (ت197هـ)[7]: "سفيان الثوري إمام في الحديث، وليس إماماً في السنة، الأوزاعي إمام في السنة وليس إماماً في الحديث، ومالك بن أنس إمام فيهما جميعا"[8].
علَّق الدكتور. همام عبد الرحيم سعيد على قول الأوزاعي هذا: "يستفاد من هذه العبارة، أن السنة مادة الفقهاء والأصوليين الذين يبحثون عن أقوال النبي r، وأفعاله وتقريراته، التي تستمد منها الأحكام الشرعية، وتؤخذ منها الفرائض والنوافل والإباحات، ويعرف بها الحلال والحرام. أما الحديث فهو مادة المحدث الذي يثبت النصوص كما جاءت، وقد لا يعنيه ما تحتويه هذه النصوص من أحكام دقيقة واستنباطات فقهية. وقد يجمع العالم بين الأمرين معا، كما قال ابن مهدي عن الإمام مالك بن أنس".
ثم قال: "ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن كل سنةٍ حديثٌ، وليس كلُّ حديثٍ سنةً. ومن أوضح الأمثلة على هذا، حديث "الوضوء مما مسّت النار. فعن أبي هريرة: "قال رسول الله r: "الوضوء مما مست النار ولو من ثور[9] أقط[10]". فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة! أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال أبو هريرة "يا ابن أخي إذا سمعت حديثا عن رسول الله r فلا تضرب له مثلا"[11].
"فهذا الحديث يفيد حكماً شرعياً، وهو أن من يأكل طعاماً مطبوخاً على النار، فإنه يلزمه الوضوء بعد ذلك. ولكن النبي r ترك الوضوء من ذلك، وكان يأكل ما مست النار من لحم أو غيره، ثم يقوم فيصلى بوضوئه السابق. وترك العمل بالحديث الأول لنسخ طرأ عليه، إذ رفع حكمه بحكم جاء بعده"[12].
وقال في كتاب آخر: "أما الحديث فهو أعم من السنة من حيث المفهوم؛ إذ أنه يزيد على السنة في تناوله لكل ما صدر عن النبي r، حتى ولو كان منسوخاً ليس عليه العمل، ويتناول صفة النبي r الخِلقية من حيث لونه وجسمه وشعره وطوله، وصفاته الجبلية من حيث صحته ومرضه، وما يميل إليه من الطعام وما لا يرغب فيه. فليس المقصود برواية هذه الأمور الجريان والاعتياد والاتباع، وإنما المقصود عند روايتها الوقوف على عصر النبوة، ومعرفة النبي r حتى يصبح شخصه، وعصره، ومراحل سيرته على تمام الوضوح والجلاء". وقال أيضا: "ونخلص من هذا إلى أن الحديث أعم من السنة، فكل سنة حديث، وليس كل حديث سنة. والسنة هي غاية الحديث وثمرته"[13].
وقال الدكتور. صبحي صالح[14]: "والسنة - في الأصل - ليست مساوية للحديث، فإنها -تبعاً لمعناها اللغوي - كانت تُطلَق على الطريقة الدينية التي سلكها النبي r في سيرته المطهرة، لأن معنى السنة لغةً الطريقة. فإذا كان الحديث عاماً يشمل قول النبي وفعله، فالسنة خاصة بأعمال النبي عليه السلام. وفي ضوء هذا التباين بين المفهومين، ندرك قول المحدثين أحيانا: "هذا الحديث مخالف للقياس والسنة والإجماع"، أو قولهم: "إمام في الحديث، وإمام في السنة، وإمام فيهما معا". وأغرب من هذا كله أن أحد المفهومين يدعم بالآخر، كأنهما متغايران من كل وجه، حتى صح أن يذكر ابن النديم كتابا بعنوان: "كتاب السنن بشواهد الحديث[15]". وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: "لفظ السنة في الحديث النبوي وكلام الصحابة والتابعين معناه: الطريقة المشروعة المُتَّبعة في الدين"[16].
قولنا: "إلى وجوده": أي صدوره عن النبي r قولاً، أو فعلاً، أو تقريراً، أو وصفاً خُلُقياً، أو وصفاً خِلْقياً.
وقولنا: أيام صدوره:
هذا القيد للاحتراز عن الوقائع والأحوال الماضية والمستقبلة التي ذكرت بعض الأحاديث، لأنها لا تصلح أن تكون أسباباً لما سيأتي في المستقبل. إلا أن الإمام السيوطي رحمه الله (ت911هـ) اعتبرها أسبابا لورود الحديث، وأنكرها في سبب النزول كما سبق ذكرها. وكذلك هو احتراز عما يقال بسبب الورود بعد عصر النبوة، كما فعل ابن حمزة الحسيني، كما سبق.
[1] أي نسخة أخرى للكتاب الذي نقله منه.
[2] الرازي: مختار الصحاح (تحقيق محمود خاطر، بيروت، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، 1995م) ص119، وابن منظور: لسان العرب (بيروت، دار صادر، د. ط، د.ت) ج1، ص458.
[3] المناوي، محمد بن عبد الرؤوف: التوقيف على مهمات التعاريف: (تحقيق محمد رضوان الداية، بيروت، دار الفكر المعاصر، ط1، 1410هـ) ص395.
[4] الرازي: مختار الصحاح، ص 298، وابن منظور: لسان العرب: ج3، ص457.
[5] انظر:أبو شهبه، الوسيط في علوم الحديث (القاهرة، دار الفكر العربي، د.ط، د.ت) ص15.
[6]أخرجه مسلم: كتاب كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، ج1،ص209، رقم الحديث 234.
[7] هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان. ولد سنة 135هـ، قال ابن المديني: كان أعلم الناس. وقال أبو حاتم: هو إمام ثقة، أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع. وقال أحمد: إذا حدث ابن مهدي عن رجل فهو حجة. مات بالبصرة سنة 198هـ . انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج9، ص199، والسيوطي، طبقات الحفاظ، ج1، ص144.
[8]الزُّرقاني: محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطأ مالك (بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1997م) ج1، ص36.
[9]الثور: قطعة من الأقط. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ج1، ص228.
[10]الأقط: اللبن الجامد المستحجر.المصدر نفسه، ج1، ص228.
[11]هذا الحديث أخرجه الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار، ج1، ص114، رقم الحديث 79.
[12] همام عبد الرحيم سعيد، التمهيد في علوم الحديث (عمَّان، دار الفرقان للنشر، ط1، 1992م) ص12.
[13] همام سعيد، الفكر المنهجي عند المحدثين (قطر، رئاسة المحكمة الشرعية، ط1، 1987) ص28-30.
[14]د.صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه (بيروت، دار العلم للملايين، ط17، 1988م) ص6.
[15]قال في ترجمة المروزي أحمد بن محمد بن الحجاج: "وله من الكتب: كتاب السنن بشواهد الحديث". ابن نديم، محمد بن إسحاق، الفهرست (بيروت، دار المعرفة، د.ط.، 1978م) ج1، ص 321. وكذلك ذكر قبله في ترجمة الأثرم أبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ: "له كتاب السنن في الفقه على مذاهب أحمد وشواهده من الحديث": ج1، ص32.
[16] عبد الفتاح أبو غدة، السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي (دمشق، دار القلم، ط1، 1992م) ص19.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق