مفهوم سبب ورود الحديث عند ابن حمزة تبعاً لابن ناصر الدين الدمشقي
د. محمد عصري زين العابدين
(moasriza@yahoo.com)
لم يذكر ابن حمزة الحسيني[1] (ت1120هـ) في كتابه "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" تعريفاً لسبب الورود أو مفهوماً له من عند نفسه، وإنما اكتفى مما ذكره البلقيني في "محاسن الاصطلاح" بما يلي:
"وما ذكر في هذا النوع من الأسباب، قد يكون ما ذكر عقب ذلك السبب من لفظ النبي r أول ما تكلم به r في ذلك الوقت، لأمور تظهر للعارف بهذا الشأن".
ثم قال: "هذا ملخص ما أفاده البلقيني في كتاب محاسن الاصطلاح". ثم قال: "وأفاد الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي[2] (ت842هـ) في التعليقة اللطيفة لحديث البضعة الشريفة أنه يأتي سبب الحديث تارة في عصر النبوة، وتارة بعدها، وتارة يأتي بالأمرين"[3].
هذا كل ما قاله أو نقله ابن حمزة. وهو كما ترون ليس بتعريف لسبب ورود الحديث، وإنما هو يتعلق بزمان سبب الورود، فهو إما يكون في عصر النبوة، وإما بعدها، وإما كلا الأمرين.
ولكن بإمكاننا أن نستنبط منه أن تعريف "سبب ورود الحديث" عند ابن ناصر الدين الدمشقي وابن حمزة الحسيني هو: "ما وقع في عصر النبوة، أو بعدها، أو في كليهما".
فهذا الذي استنبطناه من كلامه يدل على أن سبب الورود عند ابن حمزة يكون أحد الثلاثة:
الأول: ما هو في عصر النبوة، وهذا ليس موضع الخلاف بيننا وبينه في شئ، وله أمثلة كثيرة كما سيمر بنا في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى.
الثاني: ما يكون بعد عصر النبوة.
الثالث: ما يكون مزدوجاً من السبب في عصرها والسبب بعد عصرها.
وهذان الأخيران سوف نناقشه فيهما فيما يأتي بإذن الله تعالى.
السبب بعد عصر النبوة والسبب المزدوج:
ذكر ابن حمزة لهما أمثلة عديدة، نذكر البعض منها لنرى مصداقية دعواه.
أ- أمثلة للسبب بعد عصر النبوة:
1- حديث "احتكار الطعام بمكة إلحاد"[4]:
قال: "سببه: روى البيهقي عن عطاء: أن ابن عمر طلب رجلا فقالوا: "ذهب ليشتري طعاماً، فقال: للبيت أو للبيع؟ قالوا للبيع. قال: أخبروه أني سمعت رسول الله r يقول فذكره" ثم قال: "هذا سبب بعد عصر النبوة"[5].
هذا كما ترون جعله ابن حمزة سببا له، وهذا توسع منه رحمه الله في مدلول السبب، وهو عند تحقيقي ليس سبباً، وإنما هو تطبيق لابن عمر لذلك الحديث. أو استدلال به على تحريم الاحتكار.
2- حديث "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك"[6]:
قال: سببه ما أخرجه أبو داود بسنده عن يوسف بن ماهك المكي قال: "كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت لهم من مالهم مثلها، قال: قلت: أقبض الألف الذي ذهبوا به منك. قال: لا، حدثني أبي أنه سمع رسول الله r يقول: أد الأمانة فذكره". ثم قال: "هذا سبب بعد عصر النبوة"[7].
وهذا أيضا على شاكلة الحديث السابق، وليس سبباً للحديث كما ظن ابن حمزة.
ب- أمثلة للسبب المزدوج من السبب في عصر النبوة والسبب بعده:
1- حديث جزء بن قيس: "اغفر، فإن عاقبت فعاقب بقدر الذنب، واتق الوجه[8]".
قال: "سببه عنه، قال: قلت: يا رسول الله! إن أهلي عصوني فبم أعاقبهم؟ قال: اغفر ثلاثا، فإن عاقبت فذكره".
ثم قال أيضا: "وسببه بعد عصر النبوة أن عيينة عم جزء دخل على عمر رضي الله عنه، فقال: ها ابن الخطاب! والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال جزء: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه: "خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين". ثم ذكر هذا الخبر[9].
2- بل أحيانا يقدم السبب الذي بعد عصر النبوة على سبب عصره r، ومن أمثلته:
حديث "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع".
قال: "سببه عن أبي سعيد الخدري t، قال: كنت جالسا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى الأشعري فزعا، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه فسلمت ثلاثا، فلم يرد فرجعت. فقال: ما منعك أن تدخل؟ قال:كيف وقد قال رسول الله r: إذا.. فذكره"[10].
ثم قال: "وهذا سبب بعد عصر النبوة، والسبب في عصر النبوة يأتي في حديث "أكل طعامكم الأبرار" الحديث. وذلك أن النبي r أتى باب سعد بن عبادة t، فقال: سلام الله، فرد سعد فلم يسمع النبي r ثلاث مرات، وكان النبي r لا يزيد فوق ثلاث تسليمات، فإن أذن له وإلا انصرف"[11].
لاحظوا أن كلا الصحابيين قد عملا بذلك الحديث، أحدهما بعد عصره، والآخر في حياته، ولا يصلح أحدهما سبباً لذلك الحديث، ولكن جعلهما ابن حمزة سبباً له مزدوجا. بل قدم ما كان بعد عصر النبوة على ما في عصرها.
مناقشة ما ذهب إليه ابن حمزة الحسيني:
لاحظنا مما سبق من الأمثلة أن كل ما ذكره ابن حمزة من أمثلة للسبب بعد عصر النبوة، أو السبب في عصر النبوة وبعدها معا، هو في الحقيقة ليس بسبب للحديث، وإنما هو مما استدل به الصحابي على مسألة.
ثم إن ما توسع ابن حمزة رحمه الله في مدلول السبب تبعاً لابن ناصر الدين، مِنْ جعلهما ذكرَ الصحابي الحديثَ في مناسبةٍ من المناسبات للاستدلال به فيها، سبباً لذلك الحديث، أمرٌ لا يمكن قبوله، لعدة وجوه:
أولاً: أننا لو تتبعنا سبب ذكر الصحابة الحديث نجد أنه ليس كل استدلالات الصحابي بالأحاديث في مكانها، ولعله أحد أسباب استدراكات الصحابة بعضهم على بعض، ومنها ما جمع الإمام الزركشي (ت794هـ)[12] في كتابه، "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة رضي الله عنها على الصحابة". وكذلك استدراكات الآخرين كما لا يخفي على المتخصصين في هذا المجال. ولنا في ذلك أمثلة كثيرة، منها:
1- ما حصل لأبي بكرة t في استدلاله بحديث "القاتل و المقتول في النار":
عن الأحنف بن قيس t، قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار"[13].
هذا الحديث ذكره ابن حمزة في كتابه، وقال: "سببه عنه قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل[14]، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: "أنصر هذا الرجل". فقال: "ارجع فإني سمعت رسول الله r يقول: إذا التقى فذكره، وفي آخره، قلت: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه". ثم قال ابن حمزة: "هذا السبب بعد عصر النبوة"[15].
إن استدلال أبي بكرة t بهذا الحديث في هذا الموضع يقتضي أن يكون علي وطلحة والزبير وعائشة y من أهل النار، وهذا مما يخالف ما جاء في السنة من الروايات الصحيحة الكثيرة في فضائلهم، وبشارة الثلاثة الأول منهم بالجنة. ولذلك قال العلامة الكشميري (ت 1352هـ)[16]: "وعرض هذا الحديث في واقعة علي t، ومعاوية t في غير محله، فإن الحديث فيمن قاتل على الظلم والجور..."[17].
بل وحتى الأحنف لم يستقر على موقفه السابق، ورجع عن قبول رأي أبي بكرة t، واشترك مع علي بن أبي طالب t في باقي حروبه، قال الحافظ ابن حجر(ت 852 هـ) في شرح هذا الحديث: "وكان الأحنف أراد أن يخرج بقومه إلى علي بن أبي طالب، ليقاتل معه يوم الجمل، فنهاه أبو بكرة، فرجع. وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمَيْن التقيا بسيفهما حسماً للمادة، وإلا فالحق أنه محمول على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ ... يخص ذلك من عموم الحديث المتقدم بدليله الخاص في قتال أهل البغي، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهد مع علي باقي حروبه"[18].
وأما الإمام النووي[19] (ت 676هـ) فقد نظر إلى قضية حروب الصحابة بعضهم مع بعض نظرة أخرى أخذت طابع العقيدة عند أهل السنة والجماعة، فقال في شرحه: "واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة y ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون،لم يقصدوا معصية، ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق، ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيباً، وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ لأنه لاجتهادٍ، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم"[20].
تبين مما سبق أن أبا بكرة t كان على خطأ واضح في تطبيق هذا الحديث على ما وقع من المشاجرات بين علي ومن نازعه من الصحابة الكرام. فإذا كان استدلاله نفسه خطأً، فالمبني على هذا الخطأ خطأ أيضاً، فمن ثمَ أخطأ من يريد أن يجعل ذلك سبباً لورود الحديث بعد عصر النبوة.
2- وما حصل للحسن بن علي رضي الله عنهما في تعليل قيامه r للجنازة:
اتفق الأئمة على أن قيام رسول الله r للجنازة وأمره به، سواء كانت للمسلم، أو غير المسلم، ثابت وورد في ذلك عدة أحاديث، منها:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: مر بنا جنازة، فقام لها النبي r، وقمنا له. فقلنا: يا رسول الله! إنها جنازة يهودي. قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا"[21].
لماذا قام النبي r لهذه الجنازة مع أن صاحبها يهودي؟ يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة، فقاما فقيل لهما: إنها من أهل الأرض - أي من أهل الذمة - قالا: إن النبي r مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي. فقال: "أليست نفساً"[22].
فعرف من هذا الحديث أن سبب قيامه لها أنها نفس. ولكن هناك رواية تفيد أن الحسن بن علي علَّل قيامه هذا لكيلا تعلو رأسه. روى النسائي أن الحسن بن علي كان جالساً، فمر عليه بجنازة، فقام الناس حتى جاوزت الجنازة، فقال الحسن t: "إنما مر بجنازة يهودي، وكان رسول الله r على طريقها جالساً، فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي، فقام"[23].
فهذا الذي علل به الحسن قيامه كان اجتهاداً منه، وهو يخالف ما ثبت عن النبي r من تعليله قيامه لها بأنها نفس. فتبين أن الحسن أخطأ في اجتهاده هذا.
قال ابن حجر معلقاً على تعليل الحسن: "التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي r، فكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه، فعلل باجتهاده"[24].
وقال ابن القيم (ت751هـ)[25]: "التعليل بكونها نفسا وهذا في الصحيحين ... وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله فلم يأت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة، ولو قدر ثبوتها فهي ظن من الراوي، وتعليل النبي r الذي ذكره بلفظه أولى"[26].
الموقف الصحيح من سبب الحديث بعد عصر النبوة:
بعد عرض الأمثلة السابقة التي تحقق فيها خطأ ما ذهب إليه ابن حمزة، أقول: إن جعل ذكر الصحابي الحديث في الاستدلال به في مسألةٍ سبباً لوروده أمر غير مقبول، لأن الصحابة عندما تعرض لهم أمور لا نص فيها يجتهدون، وإن ذِكرهم الأحاديث في القضايا والأحداث للاستدلال بها فيها نوع من اجتهاداتهم، والمجتهد يجوز عليه الخطأ والصواب، ومرتبة الصحبة؛ وإن كانت شرفاً كبيراً، لا تجعل صاحبها معصوماً من الخطأ.
ومن المعلوم أيضا أن مراسيل الصحابة كثيرة[27]، فلعل بعضهم سمع الحديث دون معرفة سببه، فأخطأ في فهمه، أو سمع بعض الحديث مباشرة وفاته سماع بعضه، أولم يفهمه جيدا، بل قد يحدث أن صحابياً حضر القصة، أو كانت متعلقة به ولكنه لم يفقهها جيداً، وهذا مثل ما حدث لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها. فكيف تصلح هذه سبباً للأحاديث النبوية التي لها -كما سيتضح لنا فيما بعد- دور عظيم في فهم المقاصد النبوية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية[28] (ت 728هـ): "فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب"[29]. لذلك قال بعض العلماء، كما ذكره ابن حمزة نفسه: "قال شيخ مشايخنا الشيخ غرس الدين الخليلي[30] في حواشي كشف الالتباس: قال بعض أصحابنا الفضلاء وهو أحمد الشاهيني[31] رحمه الله: في جعله –سبب بعد عصر النبوة- سببا نظر ظاهر[32]".
وقال د. محمد محمد أبو شهبة: "والحق أن سبب الورود إنما يراد به السبب الذي بسببه قال النبي r الحديث، وأما ذكر الصحابي للحديث فيما بعد ليستدل به في مناسبة من المناسبات، فإنه لا يسمى سبب ورود، وإنما يسمى سبب ذكر، نقول مثلا: والسبب في ذكر الصحابي رضي الله عنه الحديث، كذا"[33].
ومع ذلك فإن سبب ذكر الصحابة للحديث قد يعيننا على إدراك معناه الصحيح، لأنهم شهدوا التنزيل وظروفه، وعاينوا الرسول الأعظم وأفعاله، فربما هم فهموا أكثر ممن جاء بعدهم، وقد يكون فقه من جاء بعدهم أدق من فقههم. وقد قال رسول الله r فيما رواه البخاري: "فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلَّغ أوعى من سامع"[34].
قال الكشميري (ت1352هـ) في قوله: "فرب مبلغ أوعى من سامع": "وفيه أن يمكن أن يكون في الأمة من يفضل الصحابة في الوعي والحفظ، فهذا فضل جزئي. وأما الفضل الكلي فلهم خاصة لما ثبت، فسبقهم بالإسلام والنصرة"[35].
صورتان أخريان جعلهما ابن حمزة سببين للورود:
هناك صورتان أخريان جعلهما ابن حمزة سبباً لورود الحديث، وهما كما يلي:
الصورة الأولى: شق الحديث الواحد شقين، وجعل الأول منهما سبباً للآخر، ومن أمثلته:
1- حديث "احرص على ما ينفعك، وإياك واللو، فإن اللو يفتح عمل الشيطان"[36].
قال ابن حمزة: سببه: قال رسول الله r: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك ولا تعجز، فإن غلبك أمر فقل: قدر الله وما شاء صنع، احرص.. فذكره"[37].
إذا قلنا بهذا المسلك فما من حديث إلا وله سبب؛ لأن ما من حديث إلا وله أول وآخر، فبهذا يصبح أول كل حديث سبباً، وآخره مسبباً، وهذا لا شك أمر لم يقل به أحد من العلماء، وابن حمزة نفسه يقول في مقدمته: "والحديث الشريف في الورود على قسمين: ما له سبب قيل لأجله، وما لا سبب له"[38].
2- حديث "اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني عبدي فأجزيه بها".
قال ابن حمزة: "سببه كما في الجامع الكبير عن ابن عمر: أن عبدا من عباد الله قال: "رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، فأعضلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبان، فصعدا إلى السماء، فقالا: "ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها". فقال الله عز وجل: - وهو أعلم بما قال عبده -: "ماذا قال عبدي؟". قالا: "يا رب! إنه قال: "رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك". فقال الله تبارك وتعالى: "اكتباها... فذكره "[39].
هذا، كما هو ظاهر، ليس سببا لذكر النبي r هذا الحديث، وإنما سبب لقول الله تعالى في هذا الحديث القدسي. وهذا يخالف مفهوم سبب الورود الذي ذكره في مقدمته نقلا عن البلقيني: "وما ذكر في هذا النوع من الأسباب، قد يكون ما ذكر عقب ذلك السبب من لفظ النبي أول ما تكلم به r في ذلك الوقت، لأمور تظهر للعارف بهذا الشأن"[40].
الصورة الثانية: جعل وجود أحد، أو فئة من الناس أثناء خطاب النبي r سببا للحديث:
ومن أمثلة ابن حمزة لها: حديث: "اكفلوا لي ست خصال، أكفل لكم الجنة: الصلاة والزكاة والأمانة والفرج والبطن واللسان" عن أبي هريرة t.
قال: سببه عنه، قال: قال رسول الله r لمن حوله من أمته: اكفلوا لي ... فذكره". ثم قال: "قال المنذري: إسناده لا بأس به". وقال الهيثمي: "فيه حماد الطائي لا أعرفه[41]، وبقية رجاله ثقات"[42].
ولا يمكن أن يُعتبَر هذا سبباً للحديث؛ لأن من البديهي أن النبي r لا يحدث بحديث في مكان ليس فيه أحد، أو لا يسمع منه أحد؛ إذ لا فائدة فيه، لذلك لم يتكلم إلا وأمامه فرد أو جماعة من الناس. وإذا لم يكن أمامه بشر، فيكون من غير البشر كالجن[43].
إذا عرفنا هذا، فعرفنا أنه ما من حديث إلا وله سامع فرد، أو جماعة. فلو جعلنا وجود السامع سببا للحديث، فما من حديث إلا وله سبب مثل هذا.
[1]هو الشريف إبراهيم بن محمد بن حسين بن محمد بن حمزة الحراني الأصل، الدمشقي، الحسيني الحنفي. محدث نحوي. ولد بدمشق. توفي بمنزلة ذات حج في صفر. عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، ج1، ص69.
[2] هو محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن محمد القيسي، الشهير بابن ناصر الدين الدمشقي، الشافعي محدث الديار الدمشقية آنذاك، ولد سنة 777هـ، وتوفي سنة 842هـ) (ابن حمزة الحسيني، ذيل طبقات الحفاظ: ص 378).
[3] ابن حمزة الحسيني، البيان والتعريف (بيروت، المكتبة العلمية، ط1، 1402هـ) ج1، ص34.
[4]أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب تحريم حرم مكة، ج2، ص212، رقم الحديث 2020. إسناده ضعيف بعبد الله بن المؤمل. معناه: احتكار الطعام في الحرم وهو شراء القوت في حالة الغلاء ليباع إذا اشتد غلاه وهو حرام في جميع البلاد، وفي الحرم أشد. (إلحاد فيه) أي عن الحق إلى الباطل. العطيم آبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود، ج5، ص349.
[5]ابن حمزة : المصدر نفسه، ج1، ص91.
[6]أخرجه أبو داود: كتاب البيوع، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، ج3، ص290، رقم الحديث 3534، والترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي (تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، بيروت، دار التراث العربي، د.ط، د.ت): كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له، ج2، ص564، رقم الحديث 1264. وقال: حسن غريب. وأنكر صحة هذا الحديث جماعة من الخفاظ، كما قال ابن الملقن الأنصاري (ت 804 هـ): وأعله ابن حزم وابن القطان والبيهقي. وقال أبو حاتم: منكر. وقال الشافعي: إنه ليس بثابت عند أهله. وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبي r من وجه صحيح، فقلت: له طرق ستة كلها ضعاف. ابن الملقن، عمر بن علي: خلاصة البدر المنبر (تحقيق حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي، الرياض، مكتبة الرشد، ط1، 1410هـ) ج2، ص150. ومع ذلك صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ج2، ص675، رقم الحديث 3019.
[7]المصدر نفسه، ج 1، ص111.
[8] ابن حمزة، البيان، ج1، ص116. والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: (تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الموصل، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية، 1983م): ج2، ص269، رقم الحديث2130، وهو ضعيف. انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد (بيروت، دار الكتاب العربي، 1407هـ): ج 8 ، ص106، والألباني، محمد ناصر الدين: ضعيف الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير)، (بيروت، المكتب الإسلامي، ط3، 1990م) ص140.
[9] المصادر السابقة، والبيهقي: السنن الكبرى (تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز، 1994م): ج8، ص161، رقم الحديث 16423.
[10] والقصة بكاملها عن أبي سعيد الخدري، قال: "كنت جالسا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعا، أو مذعورا، قلنا: "ما شأنك؟" قال: "إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه، فسلمت ثلاثا، فلم يرد علي، فرجعت، فقال: "ما منعك أن تأتينا؟". فقلت: "إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثا، فلم يرد علي، فرجعت، وقد قال رسول الله r: "إذا استأذن أحدكم ثلاثا، فلم يؤذن له، فليرجع". فقال عمر: "أقم عليه البيّنة وإلا أوجعتك". فقال أبي بن كعب: "لا يقوم معه إلا أصغر القوم". قال أبو سعيد: قلت: "أنا أصغر القوم". قال: "فاذهب به". (أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثا، ج5، ص1694، رقم الحديث 5890، ومسلم، كتاب الآداب، باب الاستئذان، ج2، ص1694، رقم الحديث 2153. قال النووي: "معنى كلام أبي بن كعب رضي الله عنه الإنكار على عمر في إنكاره الحديث. وأما قوله: ولا يقوم معه إلا أصغر القوم، فمعناه أن هذا حديث مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، حتى أن أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله r" انظر:النووي: يحي بن شرف، شرح صحيح مسلم (بيروت، دار الخير، ط1، 1414هـ) ج5، ص131.
[11]ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص131. والحديث بكامله هكذا: عن أنسt أو غيره: "أن رسول الله r استأذن على سعد بن عبادةt، فقال: "السلام عليكم ورحمة الله". فقال سعد: "وعليك السلام ورحمة الله". ولم يسمع النبيr حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا، ولم يسمعه، فرجع النبيr، واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا هي بأذني، ولقد رددت عليك، ولم أسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك، ومن البركة. ثم أدخله البيت، فقرب له زبيبا، فأكل نبي الله r، فلما فرغ، قال: "أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون" أخرجه أحمد، المسند (بتحقيق وشرح أحمد شاكر، حمزة أحمد الزين، القاهرة، دار الحديث، ط1، 1995م): ج10، ص446، رقم الحديث 12346، وأبو داود، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الدعاء لرب الطعام إذا أكل عنده، ج2، ص262، رقم الحديث 2854، وقال الضياء المقدسي: "إسناده صحيح". الضياء المقدسي: أبو عبد الله ضياء الدين محمد بن عبد الواحد، الأحاديث المختارة (تحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مكة المكرمة، مكتبة النهضة الحديثة، ط1، 1410هـ): ج5، ص157.
[12] هو محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي الشافعي (بدرالدين أبو عبد الله) فقيه، أصولي، محدث، أديب، تركي الأصل، مصري المولد، أخذ عن البلقيني، ورحل إلى حلب، وسمع الحديث بدمشق وغيرها، وتوفي بالقاهرة برجب سنة 794هـ. انظر: عمر كحالة، معجم المؤلفين، ج3، ص174.
[13] أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما، ج1، ص20، رقم الحديث 31، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، ج4، ص2213، رقم الحديث 2888.
[14] يعني علي بن أبي طالبt،كما جاء في رواية مسلم: عن الأحنف بن قيس قال: "خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: "أريد نصر ابن عم رسول اللهr" - يعني علي - قال: فقال لي: يا أحنف! ارجع، فإني سمعت رسول الله r يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار...".
[15]ابن حمزة، المصدر السابق، صج1، ص138.
[16]هو محمد أنوار بن معظم شاه بن الشاه عبد الكبير الكشميري. جاء سلفه من بغداد إلى الهند، ثم إلى "الكشمير". ولد في سنة 1292هـ بالكشمير.وله تصانيف منها هذا الكتاب، العرف الشذي على جامع الترمذي. توفي بديوبند سنة 1353هـ. انظر: البنوري، محمد يوسف بن السيد زكريا، نفحة العنبر في حياة إمام العصر الشيخ أنور (ديوبند، بيت الحكمت، ط3، 1414هـ) ص1-19.
[17] الكشميري: محمد أنور، فيض الباري على صحيح البخاري، (تحقيق محمد بدر عالم الميرتهي، الهند، رباني بك دفو دهلي، د.ط ، 2000م) ج1، ص 121.
[18] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج1، ص120.
[19] هو محيى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الشافعي، ولد في المحرم سنة 631هـ صنف التصانيف النافعة في الحديث والفقه وغيرها كشرح مسلم، والأذكار، ورياض الصالحين، والتقريب، وتهذيب الأسماء واللغات، وغير ذلك. وكان إماما بارعا حافظا متقنا. ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد أبي شامة، مات في 676هـ. انظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ج1، ص513.
[20]النووي، شرح صحيح مسلم، ج6، ص11.
[21] أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي، ج1، ص441، رقم الحديث 1249، ومسلم: كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة،ج2، ص660، رقم الحديث 960.
[22] أخرجه البخاري: الكتاب والباب السابقان، ج1، ص441، رقم الحديث 1250، ومسلم: الكتاب والباب السابقان، ج2، ص661، رقم الحديث 961.
[23] أخرجه النسائي، أحمد بن شعيب: السنن المجتبى (حلب، مكتبة المطبوعات الإسلامية، ط2، 1992م) كتاب الجنائز، باب الرخصة في ترك القيام، ج4، ص67، رقم الحديث 1927. صححه الألباني لشاهد حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى. صحيح سنن النسائي (بيروت، المكتب الإسلامي، ط1، 1988م) ج2، 415.
[24] ابن حجر، فتح الباري، ج3، ص180.
[25]هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد المشهور بابن قيم الجوزية. ولد في سنة 691هـ. لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ عنه، وله اعتناء بعلم الحديث. وتوفي سنة 751هـ. من تصانيفه الكثيرة؛ منها الكتب التي ذكرت في هذا البحث، والطرق الحكمية، ومدارج السالكين، واجتماع الجيوش الإسلامية. انظر: ابن مفلح، محمد بن أحمد:، المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد (تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الطائف، مكتبة الصديق، ط1، 1408هـ) ج3، ص384-385. عمر كحالة، معجم المؤلفين، ج3، ص164.
[26] ابن القيم، محمد بن أبي بكر: شرح ابن القيم لسنن أبي داود (بيروت، دار الكتب العلمية، د.ط، د.ت)ج8، ص320.
[27] قال النووي: "أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبيr، أو نحوه، مما نعلم أنه لم يحضره، لصغر سنه، أو لتأخر إسلامه، أو غير ذلك، فالمذهب الصحيح المشهور الذي قطع به جمهور أصحابنا، جماهير أهل العلم، أنه حجة، أطبق المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بأن المرسل ليس بحجة على الاحتجاج به، وإدخاله في الصحيح، وفي صحيح البخاري ومسلم من هذا ما لا يحصى". النووي، محيي الدين بن زكريا، المجموع شرح المهذب (جدة، مكتبة الإرشاد، د.ط. 1980م) ج1، ص102-103. ثم إن قول الصحابي الذي لم يأخذ عن الكتب القديمة قولاً لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة وشرح غريب؛ مرفوع حكماً، ذلك كأخبار بدء الخلق، والأنبياء، والملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وكأخبار تضمنت الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، أو يقول: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا". انظر: ظفر أحمد العثماني التهانوي، قواعد في علوم الحديث (تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، القاهرة، دار السلام، ط6، 2000م) ص128، وكلام محققه، عبد الفتاح أبو غدة في هامشه. ويأتي الكلام عنه في الباب الثالث.
[28]وتقي الدين أبو العباس أحمد ابن المفتي شهاب الدين عبد الحليم ابن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين عبد السلام الحراني، أحد الأعلام ولد في سنة 661هـ، وعني بالحديث وخرج وانتقى وبرع في الرجال، وعلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام وعلم الكلام وغير ذلك، وكان من بحور العلم ومن الأذكياء المعدودين والزهاد والأفراد ألف ثلاثمائة مجلدة وامتحن وأوذي مرارا. السيوطي، طبقات الحفاظ، ج1، ص520.
[29]ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، مقدمة في أصول التفسير (مصر، مكتب التراث الإسلامي، د.ط، د.ت) ص60
[30] هو غرس الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم الخليل الخليلي، الشافعي، عالم مشارك في بعض العلوم، توفي سنة1057هـ. كحالة، معجم المؤلفين، ج3، ص93.
[31]هو أحمد بن شاهين القبرسي الأصل، الدمشقي المولد، ولد سنة 995هـ، وناب في القضاء بدمشق، توفي سنة 1053هـ .كحالة، المرجع نفسه، ج1، ص150.
[32] ابن حمزة، المصدر نفسه، ج 1، ص111. غير أن نقله لهذا القول الراجح لا يفيده، لأنه اختار الرأي المخالف.
[33] د. محمد محمد أبو شهبة، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث (القاهرة، دار الفكر العربي، د.ط، د.ت) ص 468.
[34] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الخطبة أيام المنى، ج2، ص620، رقم الحديث 1654.
[35]الكشميري، فيض الباري، ج1، ص168.
[36]أخرجه مسلم: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، ج4، ص2052، رقم الحديث 2664، وابن ماجه، محمد بن يزيد، السنن (تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر، د.ط، د.ت): كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، ج2، ص 1394، رقم الحديث 4168، واللفظ له.
[37] ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص 96.
[38] ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، 32.
[39]ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص302.
[40] ابن حمزة، البيان والتعريف، ج1، ص34.
[41] قلت: وفي مجمع الزوائد للهيثمي: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه يحيى بن حماد الطائي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" ج10، ص 301. ثم قال في مكان آخر من مجمع الزوائد، ج1، ص 293 حول هذا الحديث: "رواه الطبراني في الأوسط، وقال: "لا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". ثم قال: "وإسناده حسن".
[42] ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص307.
[43] كما روى علقمة، قال: "أنا سألت ابن مسعود، فقلت: "هل شهد أحد منكم مع رسول اللهr ليلة الجن؟" قال: "لا، ولكنا كنا مع رسول اللهr ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: "استطير أو اغتيل". قال: "فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: "يا رسول الله! فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم". فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: "فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم" فقال رسول اللهr: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم" .أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، ج1، ص331، رقم الحديث 450.
د. محمد عصري زين العابدين
(moasriza@yahoo.com)
لم يذكر ابن حمزة الحسيني[1] (ت1120هـ) في كتابه "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" تعريفاً لسبب الورود أو مفهوماً له من عند نفسه، وإنما اكتفى مما ذكره البلقيني في "محاسن الاصطلاح" بما يلي:
"وما ذكر في هذا النوع من الأسباب، قد يكون ما ذكر عقب ذلك السبب من لفظ النبي r أول ما تكلم به r في ذلك الوقت، لأمور تظهر للعارف بهذا الشأن".
ثم قال: "هذا ملخص ما أفاده البلقيني في كتاب محاسن الاصطلاح". ثم قال: "وأفاد الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي[2] (ت842هـ) في التعليقة اللطيفة لحديث البضعة الشريفة أنه يأتي سبب الحديث تارة في عصر النبوة، وتارة بعدها، وتارة يأتي بالأمرين"[3].
هذا كل ما قاله أو نقله ابن حمزة. وهو كما ترون ليس بتعريف لسبب ورود الحديث، وإنما هو يتعلق بزمان سبب الورود، فهو إما يكون في عصر النبوة، وإما بعدها، وإما كلا الأمرين.
ولكن بإمكاننا أن نستنبط منه أن تعريف "سبب ورود الحديث" عند ابن ناصر الدين الدمشقي وابن حمزة الحسيني هو: "ما وقع في عصر النبوة، أو بعدها، أو في كليهما".
فهذا الذي استنبطناه من كلامه يدل على أن سبب الورود عند ابن حمزة يكون أحد الثلاثة:
الأول: ما هو في عصر النبوة، وهذا ليس موضع الخلاف بيننا وبينه في شئ، وله أمثلة كثيرة كما سيمر بنا في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى.
الثاني: ما يكون بعد عصر النبوة.
الثالث: ما يكون مزدوجاً من السبب في عصرها والسبب بعد عصرها.
وهذان الأخيران سوف نناقشه فيهما فيما يأتي بإذن الله تعالى.
السبب بعد عصر النبوة والسبب المزدوج:
ذكر ابن حمزة لهما أمثلة عديدة، نذكر البعض منها لنرى مصداقية دعواه.
أ- أمثلة للسبب بعد عصر النبوة:
1- حديث "احتكار الطعام بمكة إلحاد"[4]:
قال: "سببه: روى البيهقي عن عطاء: أن ابن عمر طلب رجلا فقالوا: "ذهب ليشتري طعاماً، فقال: للبيت أو للبيع؟ قالوا للبيع. قال: أخبروه أني سمعت رسول الله r يقول فذكره" ثم قال: "هذا سبب بعد عصر النبوة"[5].
هذا كما ترون جعله ابن حمزة سببا له، وهذا توسع منه رحمه الله في مدلول السبب، وهو عند تحقيقي ليس سبباً، وإنما هو تطبيق لابن عمر لذلك الحديث. أو استدلال به على تحريم الاحتكار.
2- حديث "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك"[6]:
قال: سببه ما أخرجه أبو داود بسنده عن يوسف بن ماهك المكي قال: "كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت لهم من مالهم مثلها، قال: قلت: أقبض الألف الذي ذهبوا به منك. قال: لا، حدثني أبي أنه سمع رسول الله r يقول: أد الأمانة فذكره". ثم قال: "هذا سبب بعد عصر النبوة"[7].
وهذا أيضا على شاكلة الحديث السابق، وليس سبباً للحديث كما ظن ابن حمزة.
ب- أمثلة للسبب المزدوج من السبب في عصر النبوة والسبب بعده:
1- حديث جزء بن قيس: "اغفر، فإن عاقبت فعاقب بقدر الذنب، واتق الوجه[8]".
قال: "سببه عنه، قال: قلت: يا رسول الله! إن أهلي عصوني فبم أعاقبهم؟ قال: اغفر ثلاثا، فإن عاقبت فذكره".
ثم قال أيضا: "وسببه بعد عصر النبوة أن عيينة عم جزء دخل على عمر رضي الله عنه، فقال: ها ابن الخطاب! والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال جزء: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه: "خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين". ثم ذكر هذا الخبر[9].
2- بل أحيانا يقدم السبب الذي بعد عصر النبوة على سبب عصره r، ومن أمثلته:
حديث "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع".
قال: "سببه عن أبي سعيد الخدري t، قال: كنت جالسا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى الأشعري فزعا، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه فسلمت ثلاثا، فلم يرد فرجعت. فقال: ما منعك أن تدخل؟ قال:كيف وقد قال رسول الله r: إذا.. فذكره"[10].
ثم قال: "وهذا سبب بعد عصر النبوة، والسبب في عصر النبوة يأتي في حديث "أكل طعامكم الأبرار" الحديث. وذلك أن النبي r أتى باب سعد بن عبادة t، فقال: سلام الله، فرد سعد فلم يسمع النبي r ثلاث مرات، وكان النبي r لا يزيد فوق ثلاث تسليمات، فإن أذن له وإلا انصرف"[11].
لاحظوا أن كلا الصحابيين قد عملا بذلك الحديث، أحدهما بعد عصره، والآخر في حياته، ولا يصلح أحدهما سبباً لذلك الحديث، ولكن جعلهما ابن حمزة سبباً له مزدوجا. بل قدم ما كان بعد عصر النبوة على ما في عصرها.
مناقشة ما ذهب إليه ابن حمزة الحسيني:
لاحظنا مما سبق من الأمثلة أن كل ما ذكره ابن حمزة من أمثلة للسبب بعد عصر النبوة، أو السبب في عصر النبوة وبعدها معا، هو في الحقيقة ليس بسبب للحديث، وإنما هو مما استدل به الصحابي على مسألة.
ثم إن ما توسع ابن حمزة رحمه الله في مدلول السبب تبعاً لابن ناصر الدين، مِنْ جعلهما ذكرَ الصحابي الحديثَ في مناسبةٍ من المناسبات للاستدلال به فيها، سبباً لذلك الحديث، أمرٌ لا يمكن قبوله، لعدة وجوه:
أولاً: أننا لو تتبعنا سبب ذكر الصحابة الحديث نجد أنه ليس كل استدلالات الصحابي بالأحاديث في مكانها، ولعله أحد أسباب استدراكات الصحابة بعضهم على بعض، ومنها ما جمع الإمام الزركشي (ت794هـ)[12] في كتابه، "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة رضي الله عنها على الصحابة". وكذلك استدراكات الآخرين كما لا يخفي على المتخصصين في هذا المجال. ولنا في ذلك أمثلة كثيرة، منها:
1- ما حصل لأبي بكرة t في استدلاله بحديث "القاتل و المقتول في النار":
عن الأحنف بن قيس t، قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار"[13].
هذا الحديث ذكره ابن حمزة في كتابه، وقال: "سببه عنه قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل[14]، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: "أنصر هذا الرجل". فقال: "ارجع فإني سمعت رسول الله r يقول: إذا التقى فذكره، وفي آخره، قلت: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه". ثم قال ابن حمزة: "هذا السبب بعد عصر النبوة"[15].
إن استدلال أبي بكرة t بهذا الحديث في هذا الموضع يقتضي أن يكون علي وطلحة والزبير وعائشة y من أهل النار، وهذا مما يخالف ما جاء في السنة من الروايات الصحيحة الكثيرة في فضائلهم، وبشارة الثلاثة الأول منهم بالجنة. ولذلك قال العلامة الكشميري (ت 1352هـ)[16]: "وعرض هذا الحديث في واقعة علي t، ومعاوية t في غير محله، فإن الحديث فيمن قاتل على الظلم والجور..."[17].
بل وحتى الأحنف لم يستقر على موقفه السابق، ورجع عن قبول رأي أبي بكرة t، واشترك مع علي بن أبي طالب t في باقي حروبه، قال الحافظ ابن حجر(ت 852 هـ) في شرح هذا الحديث: "وكان الأحنف أراد أن يخرج بقومه إلى علي بن أبي طالب، ليقاتل معه يوم الجمل، فنهاه أبو بكرة، فرجع. وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمَيْن التقيا بسيفهما حسماً للمادة، وإلا فالحق أنه محمول على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ ... يخص ذلك من عموم الحديث المتقدم بدليله الخاص في قتال أهل البغي، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهد مع علي باقي حروبه"[18].
وأما الإمام النووي[19] (ت 676هـ) فقد نظر إلى قضية حروب الصحابة بعضهم مع بعض نظرة أخرى أخذت طابع العقيدة عند أهل السنة والجماعة، فقال في شرحه: "واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة y ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون،لم يقصدوا معصية، ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق، ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيباً، وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ لأنه لاجتهادٍ، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم"[20].
تبين مما سبق أن أبا بكرة t كان على خطأ واضح في تطبيق هذا الحديث على ما وقع من المشاجرات بين علي ومن نازعه من الصحابة الكرام. فإذا كان استدلاله نفسه خطأً، فالمبني على هذا الخطأ خطأ أيضاً، فمن ثمَ أخطأ من يريد أن يجعل ذلك سبباً لورود الحديث بعد عصر النبوة.
2- وما حصل للحسن بن علي رضي الله عنهما في تعليل قيامه r للجنازة:
اتفق الأئمة على أن قيام رسول الله r للجنازة وأمره به، سواء كانت للمسلم، أو غير المسلم، ثابت وورد في ذلك عدة أحاديث، منها:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: مر بنا جنازة، فقام لها النبي r، وقمنا له. فقلنا: يا رسول الله! إنها جنازة يهودي. قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا"[21].
لماذا قام النبي r لهذه الجنازة مع أن صاحبها يهودي؟ يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة، فقاما فقيل لهما: إنها من أهل الأرض - أي من أهل الذمة - قالا: إن النبي r مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي. فقال: "أليست نفساً"[22].
فعرف من هذا الحديث أن سبب قيامه لها أنها نفس. ولكن هناك رواية تفيد أن الحسن بن علي علَّل قيامه هذا لكيلا تعلو رأسه. روى النسائي أن الحسن بن علي كان جالساً، فمر عليه بجنازة، فقام الناس حتى جاوزت الجنازة، فقال الحسن t: "إنما مر بجنازة يهودي، وكان رسول الله r على طريقها جالساً، فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي، فقام"[23].
فهذا الذي علل به الحسن قيامه كان اجتهاداً منه، وهو يخالف ما ثبت عن النبي r من تعليله قيامه لها بأنها نفس. فتبين أن الحسن أخطأ في اجتهاده هذا.
قال ابن حجر معلقاً على تعليل الحسن: "التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي r، فكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه، فعلل باجتهاده"[24].
وقال ابن القيم (ت751هـ)[25]: "التعليل بكونها نفسا وهذا في الصحيحين ... وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله فلم يأت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة، ولو قدر ثبوتها فهي ظن من الراوي، وتعليل النبي r الذي ذكره بلفظه أولى"[26].
الموقف الصحيح من سبب الحديث بعد عصر النبوة:
بعد عرض الأمثلة السابقة التي تحقق فيها خطأ ما ذهب إليه ابن حمزة، أقول: إن جعل ذكر الصحابي الحديث في الاستدلال به في مسألةٍ سبباً لوروده أمر غير مقبول، لأن الصحابة عندما تعرض لهم أمور لا نص فيها يجتهدون، وإن ذِكرهم الأحاديث في القضايا والأحداث للاستدلال بها فيها نوع من اجتهاداتهم، والمجتهد يجوز عليه الخطأ والصواب، ومرتبة الصحبة؛ وإن كانت شرفاً كبيراً، لا تجعل صاحبها معصوماً من الخطأ.
ومن المعلوم أيضا أن مراسيل الصحابة كثيرة[27]، فلعل بعضهم سمع الحديث دون معرفة سببه، فأخطأ في فهمه، أو سمع بعض الحديث مباشرة وفاته سماع بعضه، أولم يفهمه جيدا، بل قد يحدث أن صحابياً حضر القصة، أو كانت متعلقة به ولكنه لم يفقهها جيداً، وهذا مثل ما حدث لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها. فكيف تصلح هذه سبباً للأحاديث النبوية التي لها -كما سيتضح لنا فيما بعد- دور عظيم في فهم المقاصد النبوية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية[28] (ت 728هـ): "فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب"[29]. لذلك قال بعض العلماء، كما ذكره ابن حمزة نفسه: "قال شيخ مشايخنا الشيخ غرس الدين الخليلي[30] في حواشي كشف الالتباس: قال بعض أصحابنا الفضلاء وهو أحمد الشاهيني[31] رحمه الله: في جعله –سبب بعد عصر النبوة- سببا نظر ظاهر[32]".
وقال د. محمد محمد أبو شهبة: "والحق أن سبب الورود إنما يراد به السبب الذي بسببه قال النبي r الحديث، وأما ذكر الصحابي للحديث فيما بعد ليستدل به في مناسبة من المناسبات، فإنه لا يسمى سبب ورود، وإنما يسمى سبب ذكر، نقول مثلا: والسبب في ذكر الصحابي رضي الله عنه الحديث، كذا"[33].
ومع ذلك فإن سبب ذكر الصحابة للحديث قد يعيننا على إدراك معناه الصحيح، لأنهم شهدوا التنزيل وظروفه، وعاينوا الرسول الأعظم وأفعاله، فربما هم فهموا أكثر ممن جاء بعدهم، وقد يكون فقه من جاء بعدهم أدق من فقههم. وقد قال رسول الله r فيما رواه البخاري: "فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلَّغ أوعى من سامع"[34].
قال الكشميري (ت1352هـ) في قوله: "فرب مبلغ أوعى من سامع": "وفيه أن يمكن أن يكون في الأمة من يفضل الصحابة في الوعي والحفظ، فهذا فضل جزئي. وأما الفضل الكلي فلهم خاصة لما ثبت، فسبقهم بالإسلام والنصرة"[35].
صورتان أخريان جعلهما ابن حمزة سببين للورود:
هناك صورتان أخريان جعلهما ابن حمزة سبباً لورود الحديث، وهما كما يلي:
الصورة الأولى: شق الحديث الواحد شقين، وجعل الأول منهما سبباً للآخر، ومن أمثلته:
1- حديث "احرص على ما ينفعك، وإياك واللو، فإن اللو يفتح عمل الشيطان"[36].
قال ابن حمزة: سببه: قال رسول الله r: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك ولا تعجز، فإن غلبك أمر فقل: قدر الله وما شاء صنع، احرص.. فذكره"[37].
إذا قلنا بهذا المسلك فما من حديث إلا وله سبب؛ لأن ما من حديث إلا وله أول وآخر، فبهذا يصبح أول كل حديث سبباً، وآخره مسبباً، وهذا لا شك أمر لم يقل به أحد من العلماء، وابن حمزة نفسه يقول في مقدمته: "والحديث الشريف في الورود على قسمين: ما له سبب قيل لأجله، وما لا سبب له"[38].
2- حديث "اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني عبدي فأجزيه بها".
قال ابن حمزة: "سببه كما في الجامع الكبير عن ابن عمر: أن عبدا من عباد الله قال: "رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، فأعضلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبان، فصعدا إلى السماء، فقالا: "ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها". فقال الله عز وجل: - وهو أعلم بما قال عبده -: "ماذا قال عبدي؟". قالا: "يا رب! إنه قال: "رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك". فقال الله تبارك وتعالى: "اكتباها... فذكره "[39].
هذا، كما هو ظاهر، ليس سببا لذكر النبي r هذا الحديث، وإنما سبب لقول الله تعالى في هذا الحديث القدسي. وهذا يخالف مفهوم سبب الورود الذي ذكره في مقدمته نقلا عن البلقيني: "وما ذكر في هذا النوع من الأسباب، قد يكون ما ذكر عقب ذلك السبب من لفظ النبي أول ما تكلم به r في ذلك الوقت، لأمور تظهر للعارف بهذا الشأن"[40].
الصورة الثانية: جعل وجود أحد، أو فئة من الناس أثناء خطاب النبي r سببا للحديث:
ومن أمثلة ابن حمزة لها: حديث: "اكفلوا لي ست خصال، أكفل لكم الجنة: الصلاة والزكاة والأمانة والفرج والبطن واللسان" عن أبي هريرة t.
قال: سببه عنه، قال: قال رسول الله r لمن حوله من أمته: اكفلوا لي ... فذكره". ثم قال: "قال المنذري: إسناده لا بأس به". وقال الهيثمي: "فيه حماد الطائي لا أعرفه[41]، وبقية رجاله ثقات"[42].
ولا يمكن أن يُعتبَر هذا سبباً للحديث؛ لأن من البديهي أن النبي r لا يحدث بحديث في مكان ليس فيه أحد، أو لا يسمع منه أحد؛ إذ لا فائدة فيه، لذلك لم يتكلم إلا وأمامه فرد أو جماعة من الناس. وإذا لم يكن أمامه بشر، فيكون من غير البشر كالجن[43].
إذا عرفنا هذا، فعرفنا أنه ما من حديث إلا وله سامع فرد، أو جماعة. فلو جعلنا وجود السامع سببا للحديث، فما من حديث إلا وله سبب مثل هذا.
[1]هو الشريف إبراهيم بن محمد بن حسين بن محمد بن حمزة الحراني الأصل، الدمشقي، الحسيني الحنفي. محدث نحوي. ولد بدمشق. توفي بمنزلة ذات حج في صفر. عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، ج1، ص69.
[2] هو محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن محمد القيسي، الشهير بابن ناصر الدين الدمشقي، الشافعي محدث الديار الدمشقية آنذاك، ولد سنة 777هـ، وتوفي سنة 842هـ) (ابن حمزة الحسيني، ذيل طبقات الحفاظ: ص 378).
[3] ابن حمزة الحسيني، البيان والتعريف (بيروت، المكتبة العلمية، ط1، 1402هـ) ج1، ص34.
[4]أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب تحريم حرم مكة، ج2، ص212، رقم الحديث 2020. إسناده ضعيف بعبد الله بن المؤمل. معناه: احتكار الطعام في الحرم وهو شراء القوت في حالة الغلاء ليباع إذا اشتد غلاه وهو حرام في جميع البلاد، وفي الحرم أشد. (إلحاد فيه) أي عن الحق إلى الباطل. العطيم آبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود، ج5، ص349.
[5]ابن حمزة : المصدر نفسه، ج1، ص91.
[6]أخرجه أبو داود: كتاب البيوع، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، ج3، ص290، رقم الحديث 3534، والترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي (تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، بيروت، دار التراث العربي، د.ط، د.ت): كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له، ج2، ص564، رقم الحديث 1264. وقال: حسن غريب. وأنكر صحة هذا الحديث جماعة من الخفاظ، كما قال ابن الملقن الأنصاري (ت 804 هـ): وأعله ابن حزم وابن القطان والبيهقي. وقال أبو حاتم: منكر. وقال الشافعي: إنه ليس بثابت عند أهله. وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبي r من وجه صحيح، فقلت: له طرق ستة كلها ضعاف. ابن الملقن، عمر بن علي: خلاصة البدر المنبر (تحقيق حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي، الرياض، مكتبة الرشد، ط1، 1410هـ) ج2، ص150. ومع ذلك صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ج2، ص675، رقم الحديث 3019.
[7]المصدر نفسه، ج 1، ص111.
[8] ابن حمزة، البيان، ج1، ص116. والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: (تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الموصل، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية، 1983م): ج2، ص269، رقم الحديث2130، وهو ضعيف. انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد (بيروت، دار الكتاب العربي، 1407هـ): ج 8 ، ص106، والألباني، محمد ناصر الدين: ضعيف الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير)، (بيروت، المكتب الإسلامي، ط3، 1990م) ص140.
[9] المصادر السابقة، والبيهقي: السنن الكبرى (تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز، 1994م): ج8، ص161، رقم الحديث 16423.
[10] والقصة بكاملها عن أبي سعيد الخدري، قال: "كنت جالسا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعا، أو مذعورا، قلنا: "ما شأنك؟" قال: "إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه، فسلمت ثلاثا، فلم يرد علي، فرجعت، فقال: "ما منعك أن تأتينا؟". فقلت: "إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثا، فلم يرد علي، فرجعت، وقد قال رسول الله r: "إذا استأذن أحدكم ثلاثا، فلم يؤذن له، فليرجع". فقال عمر: "أقم عليه البيّنة وإلا أوجعتك". فقال أبي بن كعب: "لا يقوم معه إلا أصغر القوم". قال أبو سعيد: قلت: "أنا أصغر القوم". قال: "فاذهب به". (أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثا، ج5، ص1694، رقم الحديث 5890، ومسلم، كتاب الآداب، باب الاستئذان، ج2، ص1694، رقم الحديث 2153. قال النووي: "معنى كلام أبي بن كعب رضي الله عنه الإنكار على عمر في إنكاره الحديث. وأما قوله: ولا يقوم معه إلا أصغر القوم، فمعناه أن هذا حديث مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، حتى أن أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله r" انظر:النووي: يحي بن شرف، شرح صحيح مسلم (بيروت، دار الخير، ط1، 1414هـ) ج5، ص131.
[11]ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص131. والحديث بكامله هكذا: عن أنسt أو غيره: "أن رسول الله r استأذن على سعد بن عبادةt، فقال: "السلام عليكم ورحمة الله". فقال سعد: "وعليك السلام ورحمة الله". ولم يسمع النبيr حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا، ولم يسمعه، فرجع النبيr، واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا هي بأذني، ولقد رددت عليك، ولم أسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك، ومن البركة. ثم أدخله البيت، فقرب له زبيبا، فأكل نبي الله r، فلما فرغ، قال: "أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون" أخرجه أحمد، المسند (بتحقيق وشرح أحمد شاكر، حمزة أحمد الزين، القاهرة، دار الحديث، ط1، 1995م): ج10، ص446، رقم الحديث 12346، وأبو داود، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الدعاء لرب الطعام إذا أكل عنده، ج2، ص262، رقم الحديث 2854، وقال الضياء المقدسي: "إسناده صحيح". الضياء المقدسي: أبو عبد الله ضياء الدين محمد بن عبد الواحد، الأحاديث المختارة (تحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مكة المكرمة، مكتبة النهضة الحديثة، ط1، 1410هـ): ج5، ص157.
[12] هو محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي الشافعي (بدرالدين أبو عبد الله) فقيه، أصولي، محدث، أديب، تركي الأصل، مصري المولد، أخذ عن البلقيني، ورحل إلى حلب، وسمع الحديث بدمشق وغيرها، وتوفي بالقاهرة برجب سنة 794هـ. انظر: عمر كحالة، معجم المؤلفين، ج3، ص174.
[13] أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما، ج1، ص20، رقم الحديث 31، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، ج4، ص2213، رقم الحديث 2888.
[14] يعني علي بن أبي طالبt،كما جاء في رواية مسلم: عن الأحنف بن قيس قال: "خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: "أريد نصر ابن عم رسول اللهr" - يعني علي - قال: فقال لي: يا أحنف! ارجع، فإني سمعت رسول الله r يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار...".
[15]ابن حمزة، المصدر السابق، صج1، ص138.
[16]هو محمد أنوار بن معظم شاه بن الشاه عبد الكبير الكشميري. جاء سلفه من بغداد إلى الهند، ثم إلى "الكشمير". ولد في سنة 1292هـ بالكشمير.وله تصانيف منها هذا الكتاب، العرف الشذي على جامع الترمذي. توفي بديوبند سنة 1353هـ. انظر: البنوري، محمد يوسف بن السيد زكريا، نفحة العنبر في حياة إمام العصر الشيخ أنور (ديوبند، بيت الحكمت، ط3، 1414هـ) ص1-19.
[17] الكشميري: محمد أنور، فيض الباري على صحيح البخاري، (تحقيق محمد بدر عالم الميرتهي، الهند، رباني بك دفو دهلي، د.ط ، 2000م) ج1، ص 121.
[18] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج1، ص120.
[19] هو محيى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الشافعي، ولد في المحرم سنة 631هـ صنف التصانيف النافعة في الحديث والفقه وغيرها كشرح مسلم، والأذكار، ورياض الصالحين، والتقريب، وتهذيب الأسماء واللغات، وغير ذلك. وكان إماما بارعا حافظا متقنا. ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد أبي شامة، مات في 676هـ. انظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ج1، ص513.
[20]النووي، شرح صحيح مسلم، ج6، ص11.
[21] أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي، ج1، ص441، رقم الحديث 1249، ومسلم: كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة،ج2، ص660، رقم الحديث 960.
[22] أخرجه البخاري: الكتاب والباب السابقان، ج1، ص441، رقم الحديث 1250، ومسلم: الكتاب والباب السابقان، ج2، ص661، رقم الحديث 961.
[23] أخرجه النسائي، أحمد بن شعيب: السنن المجتبى (حلب، مكتبة المطبوعات الإسلامية، ط2، 1992م) كتاب الجنائز، باب الرخصة في ترك القيام، ج4، ص67، رقم الحديث 1927. صححه الألباني لشاهد حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى. صحيح سنن النسائي (بيروت، المكتب الإسلامي، ط1، 1988م) ج2، 415.
[24] ابن حجر، فتح الباري، ج3، ص180.
[25]هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد المشهور بابن قيم الجوزية. ولد في سنة 691هـ. لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ عنه، وله اعتناء بعلم الحديث. وتوفي سنة 751هـ. من تصانيفه الكثيرة؛ منها الكتب التي ذكرت في هذا البحث، والطرق الحكمية، ومدارج السالكين، واجتماع الجيوش الإسلامية. انظر: ابن مفلح، محمد بن أحمد:، المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد (تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الطائف، مكتبة الصديق، ط1، 1408هـ) ج3، ص384-385. عمر كحالة، معجم المؤلفين، ج3، ص164.
[26] ابن القيم، محمد بن أبي بكر: شرح ابن القيم لسنن أبي داود (بيروت، دار الكتب العلمية، د.ط، د.ت)ج8، ص320.
[27] قال النووي: "أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبيr، أو نحوه، مما نعلم أنه لم يحضره، لصغر سنه، أو لتأخر إسلامه، أو غير ذلك، فالمذهب الصحيح المشهور الذي قطع به جمهور أصحابنا، جماهير أهل العلم، أنه حجة، أطبق المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بأن المرسل ليس بحجة على الاحتجاج به، وإدخاله في الصحيح، وفي صحيح البخاري ومسلم من هذا ما لا يحصى". النووي، محيي الدين بن زكريا، المجموع شرح المهذب (جدة، مكتبة الإرشاد، د.ط. 1980م) ج1، ص102-103. ثم إن قول الصحابي الذي لم يأخذ عن الكتب القديمة قولاً لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة وشرح غريب؛ مرفوع حكماً، ذلك كأخبار بدء الخلق، والأنبياء، والملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وكأخبار تضمنت الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، أو يقول: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا". انظر: ظفر أحمد العثماني التهانوي، قواعد في علوم الحديث (تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، القاهرة، دار السلام، ط6، 2000م) ص128، وكلام محققه، عبد الفتاح أبو غدة في هامشه. ويأتي الكلام عنه في الباب الثالث.
[28]وتقي الدين أبو العباس أحمد ابن المفتي شهاب الدين عبد الحليم ابن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين عبد السلام الحراني، أحد الأعلام ولد في سنة 661هـ، وعني بالحديث وخرج وانتقى وبرع في الرجال، وعلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام وعلم الكلام وغير ذلك، وكان من بحور العلم ومن الأذكياء المعدودين والزهاد والأفراد ألف ثلاثمائة مجلدة وامتحن وأوذي مرارا. السيوطي، طبقات الحفاظ، ج1، ص520.
[29]ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، مقدمة في أصول التفسير (مصر، مكتب التراث الإسلامي، د.ط، د.ت) ص60
[30] هو غرس الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم الخليل الخليلي، الشافعي، عالم مشارك في بعض العلوم، توفي سنة1057هـ. كحالة، معجم المؤلفين، ج3، ص93.
[31]هو أحمد بن شاهين القبرسي الأصل، الدمشقي المولد، ولد سنة 995هـ، وناب في القضاء بدمشق، توفي سنة 1053هـ .كحالة، المرجع نفسه، ج1، ص150.
[32] ابن حمزة، المصدر نفسه، ج 1، ص111. غير أن نقله لهذا القول الراجح لا يفيده، لأنه اختار الرأي المخالف.
[33] د. محمد محمد أبو شهبة، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث (القاهرة، دار الفكر العربي، د.ط، د.ت) ص 468.
[34] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الخطبة أيام المنى، ج2، ص620، رقم الحديث 1654.
[35]الكشميري، فيض الباري، ج1، ص168.
[36]أخرجه مسلم: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، ج4، ص2052، رقم الحديث 2664، وابن ماجه، محمد بن يزيد، السنن (تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر، د.ط، د.ت): كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، ج2، ص 1394، رقم الحديث 4168، واللفظ له.
[37] ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص 96.
[38] ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، 32.
[39]ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص302.
[40] ابن حمزة، البيان والتعريف، ج1، ص34.
[41] قلت: وفي مجمع الزوائد للهيثمي: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه يحيى بن حماد الطائي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" ج10، ص 301. ثم قال في مكان آخر من مجمع الزوائد، ج1، ص 293 حول هذا الحديث: "رواه الطبراني في الأوسط، وقال: "لا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". ثم قال: "وإسناده حسن".
[42] ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص307.
[43] كما روى علقمة، قال: "أنا سألت ابن مسعود، فقلت: "هل شهد أحد منكم مع رسول اللهr ليلة الجن؟" قال: "لا، ولكنا كنا مع رسول اللهr ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: "استطير أو اغتيل". قال: "فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: "يا رسول الله! فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم". فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: "فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم" فقال رسول اللهr: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم" .أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، ج1، ص331، رقم الحديث 450.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق