الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

مفهوم سبب ورود الحديث عند السيوطي

مفهوم سبب ورود الحديث عند السيوطي

د. محمد عصري زين العابدين
(moasriza@yahoo.com)

لم يذكر الإمام السيوطي[1] (ت911هـ) تعريفاً، أو مفهوماً لسبب ورود الحديث في كتابه "أسباب ورود الحديث"، ولا في "تدريب الراوي". ولم تظهر في أية عبارة من عباراته لمحة تسعفنا لنستنبط منها حتى مفهوم سبب ورود الحديث عنده، إن لم يكن تعريفا.

ولكن حاول محقق كتابه "أسباب ورود الحديث. أو اللمع في أسباب الحديث"، الدكتور. يحي إسماعيل في مقدمة تحقيقه، أن ينسب إليه تعريفا لسبب ورود الحديث مقيسا على قوله في سبب النزول: "ما ورد الحديث أيام وقوعه".

ثم قال في هامشه: "هذا التعريف مقيس على تعريف السيوطي في "لباب النقول في أسباب النزول"، حيث قال: "إنه - أي سبب نزول القرآن - ما نزلت الآية أيام وقوعه"
[2].

مناقشة هذا التعريف المقيس:
ولست أدري هل أراد المحقق بذكر هذا التعريف، أن يشعر القارئ بأن السيوطي لو جاء بتعريف لسبب ورود الحديث لكان على هذا التعريف.
إن كان هذا قصده، فمضمون كتاب السيوطي لا ينطبق على ذلك، ولا يؤيده. وذلك لأن السيوطي عند ما عرّف سبب النزول في الإتقان بـ"ما نزل أيام وقوعه" أراد بذلك أن يخرج منه أمثال ما ذكر الواحدي
[3] في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الأخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك. وكذلك ذكره في قوله "واتخذ الله إبراهيم خليلا" سبب اتخاذه خليلا، فليس ذلك من أسباب نزول القرآن، كما لا يخفى"[4].

فحسبما حرره السيوطي في سبب النزول تبين أن سبب النزول عنده مقصور على ما حدث في عصر النزول، لا ما حدث قبله أو بعده.

وأما موقفه في سبب ورود الحديث فهو اختلف تماما عن موقفه في سبب النزول؛ لأنه عند ذكره حديث عبادة بن الصامت برواية أحمد
[5] أن النبي r قال: "اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا أئتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم".

قال: سببه: قال أحمد في الزهد
[6]: "حدثنا عبد الصمد، ثنا عبد الجليل، ثنا الحسن بن أبي الحسن، قال: "انتهت بنو إسرائيل إلى موسى عليه السلام، فقالوا: إن التوراة تكبر علينا، فأنبئنا بجماع من الأمر فيه تخفيف، فأوحى الله: "قل لهم لا تظالموا في المواريث، ولا تدخلن عينا عبدٍ بيتا حتى يستأذن، وليتوضأ من الطعام ما يتوضأ للصلاة". فاستخفوها يسيرا، ثم أنهم لم يقوموا بها، قال: فقال رسول الله r: "تقبلوا لي بست أتقبل لكم بالجنة: من حدث فلا يكذب، ومن وعد فلا يخلف، ومن ائتمن فلا يخن، احفظوا أيديكم، وأبصاركم، وفروجكم"[7].

لاحظوا أن الذي جعله السيوطي سبباً لورود هذا الحديث، هو من جنس الإخبار عن الوقائع الماضية، فأين هذا السبب من الضابط الذي وضعه هو في كلامه عن سبب النزول السابق، وانتقد الواحدي لمخالفته إياه؟ فليس من الصواب إذاً أن نستنبط من تعريفه لسبب النزول تعريف سبب ورود الحديث، ونقيسه عليه لمخالفته تطبيقه.

وعلى الرغم من أن للسيوطي كتابا خاصا في سبب الورود، وكتبا أخرى متعلقة بعلوم الحديث، فالصحيح أنه لم يُنقل عنه، ولا عن غيره، تعريفٌ ضابطٌ لسبب ورود الحديث، فضلا عن أن يضع هو أو غيره الضوابط والقواعد المتعلقة به.



[1] هو الإمام الشهير، عبد الرحمن بن أبي بكر الطولوني، المصري الشافعي. عالم مشارك في أنواع من العلوم، ولد في رجب 849هـ، ونشأ بالقاهرة يتيما. وقرأ على جماعة من العلماء، ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس، وخلا بنفسه في روضة المقياس على النيل، منزويا عن أصحابه جميعا، فألف أكثر كتبه، وتوفي سنة 911هـ. انظر: عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1414هـ: ج2، ص82).
[2]السيوطي، أسباب ورود الحديث، ص36.
[3]أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري الشافعي، صاحب التفسير، وإمام علماء التأويل، مات بنيسابور في جمادى الآخرة سنة 468هـ. مات بنيسابور في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربع مئة. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج18، ص 339-342
[4] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن (بيروت، المكتبة العصرية، د.ط. 1408هـ) ج1، ص90.
[5] أخرجه أحمد بن حنبل في المسند (تحقيق: أحمد محمد شاكر وحمزة أحمد الزين، القاهرة، دار الحديث،ط1، 1995م) ج16، ص413. ورجاله ثقات إلا أن المطلب لم يسمع من عبادة. انظر: الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد (بيروت، دار الكتاب العربي، 1407هـ) ج4، ص145.وحسّنه لغيره شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لمسند الإمام أحمد. انظر: مسند الإمام أحمد (تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1999م) ج37، ص418.
[6] ولم أجده في زهد الإمام أحمد المطبوع.
[7] أسباب ورود الحديث، ص257. والحديث أخرجه الحاكم، ج5، 513، رقم الحديث 8131 وقال الذهبي: فيه إرسال. والبيهقي: أحمد بن الحسين: شعب الإيمان (بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1990م) ج4، ص78.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق