مفهوم سبب ورود الحديث عند البلقيني[1]
د. محمد عصري زين العابدين
(moasriza@yahoo.com)
إن كتاب البلقيني "محاسن الاصطلاح" يعتبر أقدم المصادر الموجودة بأيدينا اليوم الذي تعرض لهذا الموضوع. وحتى الحافظ ابن حجر (ت852هـ) [2] - وهو محقق كبير- عندما ذكر كتاب أبي حفص العُكبري (ت417هـ) [3] في نزهة النظر، قال: "ومن المهم معرفة سبب الحديث، وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي، وهو أبو حفص العُكْبري، وقد ذكر الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد[4] أن بعض أهل عصره شرع في جمع ذلك، وكأنه ما رأى تصنيف العكبري المذكور"[5].
اكتفى ابن حجر بهذا القدر من الكلام في بيان تطور علم سبب ورود الحديث، ولم يزد عن ثلاثة أسطر، وليس من عادته أن يكتفي بهذه الأسطر القليلة، ولا يتصور لمثله أن يقتصر في شرح مثل هذا الفن العظيم بهذا الاقتصار إلا لسبب من الأسباب. وأرى أن ذلك، إما لأنه قد ذكر ذلك في كتاب مختصر، وإما أنه لم يصل إليه كتاب العكبري بكامله.
والاحتمال الثاني هو الراجح عندي؛ إذ يؤيده قوله في الفتح: "وأما حديث أبي موسى فقوله: "احترق بيت بالمدينة على أهله"[6] لم أقف على تسميتهم". ثم قال: "قال ابن دقيق العيد: يؤخذ من حديث أبي موسى سبب الأمر في حديث جابر بإطفاء المصابيح، وهو فن حسن غريب، ولو تُتُبِّعَ لحصل منه فوائد".
قال ابن حجر تعليقاً عليه: "قلت: قد أفرده أبو حفص العكبري من شيوخ أبي يعلى بن الفراء[7] بالتصنيف، وهو في المائة الخامسة، ووقفت على مختصر منه، وكأن الشيخ ما وقف عليه، فلذلك تمنى أن لو تتبع"[8]. هذا دل على أنه لم يحصل على الكتاب بكامله، وإنما الذي عنده مختصره.
وعند ما راجعت "محاسن الاصطلاح للبلقيني" فوجدته افتتح باب سبب الحديث بذكر ما قاله ابن دقيق العيد (ت702هـ)، فقال:
"قال الشيخ أبو الفتح القشيري، المشهور بابن دقيق العيد رحمه الله في شرح العمدة[9] في الكلام على حديث "إنما الأعمال بالنيات" في المبحث التاسع: شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف أسباب الحديث، كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز، فوقفت من ذلك على شيء يسير له، وحديث "إنما الأعمال بالنيات" يدخل في هذا القبيل، وينضم إلى ذلك نظائر كثيرة لمن قصد تتبُّعَه"[10].
ولم يعلق البلقيني على هذا الكلام، ولم يعقب عليه كما صنع ابن حجر. وهذا يدل على أنه أقرَّ لما قاله ابن دقيق العيد، وعلى أنه لم يصل إليه أيُّ كتابٍ في هذا الفن. فانطلاقا من هذه النقطة، تبين أن البلقيني عندما كتب هذا الموضوع لم يكن بين يديه مصدر يقلده، أو ينسخ منه؛ وإن كانت الفكرة موجودة.
فكتابه في سبب ورود الحديث إذاً، من أسبق ما كتب في هذا الفن، وشأنه فيه كشأن من يبدأ علما، فغالبا ما يذكر شيئا وتفوت عليه أشياء، لذلك جاءت دراسته مقتضبة وغير مرتبة، حتى لا نجد عنده تعريفا خاصا لسبب ورود الحديث الذي هو يبحث فيه، إلا أن نقله كلام ابن دقيق العيد السابق: "شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف أسباب الحديث، كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز"، وعدم تعليقه عليه، يدل على أن تعريف "سبب ورود الحديث" عنده هو نفس تعريف "سبب النزول".
غير أنه بعد ما عرض مجموعةً من الأحاديث التي لها أسبابها قال:
"وما ذُكِرَ في هذا النوع من الأسباب: قد يكون ما ذُكِرَ عقبَ ذلك السبب من لفظ النبي r أولَ ما تكلم به النبي r في ذلك الوقت؛ وقد يكون تكلم به قبل ذلك لنحوِ ذلك السبب، أو لا لسببٍ، وقد يتعين أن يكون أول ما تكلم به في ذلك الوقت، لأمور تظهر للعارف بهذا الشأن"[11].
يفهم من هذه العبارة أن مفهوم سبب ورود الحديث عنده هو "ما ذُكِرَ قبل الحديث القولي". فهو بذلك خصه بالأحاديث القولية فقط. وأما الأحاديث الفعلية والتقريرية فهي خارجة عن دائرة سبب الورود حسب ما قال البلقيني، وحسب ما ذكر من النماذج.
مناقشة رأي البلقيني وتحليله:
تبيَّن مما سبق أن سبب الورود عند البلقيني محصور في الأحاديث القولية فقط، وليس للأحاديث الفعلية والتقريرية سبب. هذا ما يفهم من قوله: "... من لفظ النبي ...". ومن قوله: "... أول ما تكلم به النبي...". ومن قوله: "... وقد يكون تكلم به...". ومن قوله: "... وقد يتعين أن يكون أول ما تكلم به...". فبذلك يمكن لنا أن نقول: إن سبب ورود الحديث عنده هو "ما لأجله قال النبي r حديثه القولي".
وحصره سبب ورود الحديث في الأحاديث القولية فقط دون غيرها يرفضه واقع أحاديث كثيرة، لأن هناك كثيرا من الأحاديث الفعلية والتقريرية، لها أسباب مروية عن رسول اللهr، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة، نكتفي بذكر بعض منها:
أمثلة من السنن الفعلية التي لها سبب الورود:
1- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "والله لقد رأيت رسول اللهr يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول اللهr، يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، حريصة على اللهو"[12].
فقولها: "يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم". وقولها: "يقوم من أجلي" حديث فعلي، وله سبب.
2- وعنها رضي الله عنها أيضا، قالت: "لقد رأيتني ورسول الله r يصلي، وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي، فقبضتهما"[13].
هذا الحديث فعلي خالص، ليس فيه لفظ نبوي، وله سبب، وهو غمزه r رجلها لكي تفسح له مكان سجوده في الصلاة، وإلا لكان هذا الفعل عبثاً ولغواً في الصلاة، وحاشا أن يفعل رسول الله r في صلاته عبثاً أو لغواً.
3- وقال أنس بن مالك t: "كان رسول اللهr يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة"[14].
يتضح من هذا الحديث أن سبب تخفيف قراءته وتقصيرها بكاء الصبي. وتخفيف القراءة وتقصيرها ليس لفظا، وإنما هو فعل، وله سبب، وهو بكاء الصبي.
ومن الأحاديث التقريرية[15]:
1- عن أنس بن مالك t: "أن رسول اللهr خرج، فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة". ثم أكثر أن يقول: "سلوني"، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدr نبياً، فسكت"[16].
فعدم رد النبي r على ما قاله عمر، واكتفاؤه بالسكوت تعبيرٌ عن رضاه للقول، كما قال ابن حجر العسقلاني (ت852هـ): "فرضي النبي r بذلك فسكت"[17].
2- عن أبي هريرة t: أن النبي r كان يوما يحدث - وعنده رجل من أهل البادية -: "أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: "ألستَ فيما شئتَ؟". قال: "بلى، ولكني أحب أن أزرع". قال: "فبذر، فبادر الطرفَ[18]نباتُه واستواؤه واستحصادُه، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: "دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء". فقال الأعرابي: "والله لا تجده إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع". فضحك النبي r[19].
وليس في هذا الحديث لفظ نبوي، وضحكه r علامة على عدم إنكاره ما قاله الأعرابي.
فهو حديث تقريري، وله سبب.
3- عن عمر t، أنه دخل على حفصة، فقال: "يا بنية! لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله r إياها" - يريد عائشة رضي الله عنها -، فقصصتُ على رسول الله r، فتبسم[20].
وتبسمه r دليل على رضاه عما فعل عمر. فهو حديث تقريري، وله سبب وهو قول عمر ما قال.
فمثل هذه الأحاديث حسب قول البلقيني لا تعد من الأحاديث التي لها أسباب الورود، مع أن لها أسباب كما رأينا في الأمثلة السابقة.
موقف البلقيني من سبب الورود بعد عصر النبوة:
يتضح من خلال المجموعة الحديثية التي عرضها البلقيني في هذا المبحث أنه يرى الأخذ بسبب الورود الذي كان في عصر النبوة، لا الذي حصل بعده، فإن تلك المجموعة من الأحاديث كلها من الأحاديث التي لها أسباب في عصر النبوة، لا بعده.
إلا أن هناك كلاما يدل على أن البلقيني لا يرى الأخذ بالسبب بعد عصر النبوة، حيث إنه ذكر لحديث "الخراج بالضمان" سبباً مرفوعا إلى النبي r (أي سببا في عصر النبي r)، وذلك السبب هو أن رجلاً ابتاع عبداً، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي r فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله! قد استغل غلامي؟ فقال رسول الله r: "الخراج بالضمان". وعلق البلقيني عليه بقوله: "وذكر السبب يتبين به الفقه في المسألة". ثم قال -وهو شاهدنا -:
"وقد جاء في سنن أبي داود أمر آخر يفهم منه تعدي ذلك إلى الغاصب[21]، قال أبو داود[22]: حدثنا محمود بن خالد الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن مخلد بن خفاف الغفاري، قال: "كان بيني وبين أناس شركة في عبد، فاقتويته[23]، وبعضنا غائب، فأغل[24] علي غلة، فخاصمني في نصيبه إلى بعض القضاة، فأمرني أن أرد الغلة، فأتيت عروة بن الزبير، فحدثته، فأتاه عروة فحدثه عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله r قال: "الخراج بالضمان".
ثم قال البلقيني: "وقد أخذ بهذا العموم جماعة من العلماء من المدنيين والكوفيين، والأخذ بالسبب المرفوع أقوى، لأمور ليس هذا موضع بسطها"[25].
فقوله: "والأخذ بالسبب المرفوع أقوى" أي الأخذ بالسبب في عصر النبوة أقوى من السبب بعد عصر النبوة. فهذا يستشفُّ منه أنه لا يرضى الأخذ بما حصل من الأسباب بعد عصر النبوة. وأما الأمور التي ترك بيانها هنا فيا ليت لو بسطها في هذا الموضع لحلت لنا كثيراً من المشكلات التي اعترتنا في هذا المبحث في سبيل القطع بالأخذ بالسبب بعد عصر النبوة.
[1] هو الإمام سراج الدين، أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير الكناني الشافعي. ولد في ثاني شعبان سنة 724هـ. وأجاز له المزي والذهبي وخلق لا يحصون، وأخذ الفقه عن ابن عدلان والتقي السبكي، والنحو عن أبي حيان، وانتهت إليه رياسة المذهب والإفتاء. وولي قضاء الشام سنة 769هـ نيابة عن الإمام تاج الدين السبكي، فباشره دون السنة، وولي تدريس الخشابية والتفسير بجامع ابن طولون والظاهرية وغير ذلك. وألف في علم الحديث محاسن الاصطلاح وتضمين ابن الصلاح، وله شرح على البخاري والترمذي وأشياء أخر. مات في عاشر ذي القعدة سنة 805هـ. السيوطي: طبقات الحفاظ، ج1، ص 543-542.
[2]هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي، وكان شيخ الإسلام وإمام الحفاظ في زمانه، وحافظ الديار المصرية، بل حافظ الدنيا مطلقا آنذاك. ولد في سنة 773هـ، وبدأ طلب الحديث من سنة 794هـ، فسمع الكثير ورحل، ولازم شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي، وبرع في الحديث، وتقدم في جميع فنونه. )انظر: السيوطي، المرجع نفسه ج1، ص552(.
[3] أبو حفص العكبري هذا من هو؟ لم أستطع القطع به، ولكن في ضوء ما قال ابن حجر عنه كما سيأتي: "إنه من شيوخ أبي يعلى بن الفراء، وهو في المائة الخامسة" يبدو لي أنه عمر بن أحمد بن عثمان أبو حفص البزاز، المعروف بابن أبي عمرو من أهل عكبرا. قال الخطيب: كتبت عنه بعكبرا في سنة 410هـ، وكان ثقة أمينا مقبول الشهادة عند الحكام، مات في سنة سبع عشرة وأربعمائة، ومولده في سنة عشرين وثلاثمائة. هكذا قال الخطيب في تاريخ بغداد (دار الكتب العلمية، بيروت، د.ط، د.ت) ج 11، ص273.
وهو الذي ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء (تحقيق شعيب الأرنؤوط وزميله، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط9، 1413هـ): ج17، ص360. إلا أنه أخطأ في نقله عن الخطيب "أرخ الخطيب وفاته في سنة سبع عشرة وثلثمائة" بوقوع بصره عند كتابة السنة على سنة ميلاده، والدليل على ذلك أن الذهبي لم يذكر سنة ميلاده، وليس من عادته أن يترك كتابة تاريخ ميلاد المترجم له إذا عرف. قلت: فهو من المائة الخامسة، وهو من شيوخ الخطيب، كما أن أبا يعلى بن الفراء أيضا من شيوخ الخطيب. أما كونه "أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء العكبري المتوفى سنة 339هـ" كما قال أحمد شاكر في شرح ألفية السيوطي في علم الحديث (د. م، المكتبة العلمية، د.ط، د.ت): ص106 ولا أرى في ذلك صوابا.
[4] هو الإمام الفقيه المحدث، شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح، محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي الصعيدي المالكي والشافعي، صاحب التصانيف، ولد في شعبان سنة 625هـ بقرب ينبع من الحجاز، وتوفي في صفر سنة 702هـ. الذهبي: تذكرة الحفاظ: (تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الرياض، دار الصميعي، ط1، 1415هـ): ج4، ص1481.
[5] ابن حجر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ص125-126.
[6] وهو عن أبي موسى t قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فحدث بشأنهم r، قال: "إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم". صحيح البخاري: كتاب الاستئذان، باب لا تترك النار في البيت عند النوم ج5، ص 2319، رقم الحديث 5936.
[7] هو القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي ابن الفراء صاحب التعليقة الكبرى والتصانيف المفيدة في المذهب، ولد في المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة، وسمع علي بن عمر الحربي وإسماعيل بن سويد وأبا القاسم بن حبابة وطائفة، وحدث عنه الخطيب وأبو الخطاب الكلوذاني وأبو الوفاء بن عقيل وأبو غالب ابن البناء وابنه القاضي أبو الحسين محمد بن محمد ابن الفراء، وكان عالم العراق في زمانه مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره والنظر والأصول، وكان أبوه من أعيان الحنفية، وتوفي سنة 458هـ. الخطيب، تاريخ بغداد ج2، ص 256، والذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 18، ص 89.
[8] ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري (تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، بيروت، دار الفكر، ط1، 1993م): ج12، ص360.
[9] يريد به إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام.
[10] البلقيني، عمر بن رسلان: محاسن الاصطلاح، (تحقيق خليل المنصور، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1999م): ص355.
[11] البلقيني، المصدر السابق، ص365.
[12] أخرجه البخاري، محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري (تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، بيروت، دار ابن كثير، ط3، 1986م) كتاب المساجد، باب أصحاب الحراب في المسجد، ج1، ص172 رقم الحديث 443، ومسلم، مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم (تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ط.، د. ت) كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، ج2، ص609، رقم الحديث 892 واللفظ لمسلم.
[13] أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد، رقم الحديث 497، ومسلم: كتاب، باب، ج1، ص367، رقم الحديث 512.
[14] أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكـاء الصبي، ج1، ص250، رقم الحديث 676 ومسلم: كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، ج1،ص340، رقم الحديث 470 واللفظ له.
[15] الحديث التقريري هو أن يقر الرسول r أمرا علمه عن أحد أصحابه من قول، أو فعل، سواء أكان ذلك في حضرته عليه الصلاة والسلام، أو مما بلغه. ويكون الإقرار بسكوتٍ مع دلالة الرضا، أو بإظهارِ استحسانٍ وقبولٍ. ذلك أن الأمر لو كان غير مشروع لما أقره عليه، لأن الرسول يحمل أمانة الشريعة، وتبليغ رسالة السماء إلى سكان الأرض، وهذا بالإضافة إلى كونه معصوما، ويتنافى مع ذلك كله عدمُ إنكاره لشيء مخالف وغير مشروع. انظر: د. محمد أديب صالح، لمحات في أصول الحديث (بيروت، المكتب الإسلامي، ط5، 1409هـ: ص29).
قد يظن أن التقرير هو سكوته r على شيء فقط. والأمر ليس كذلك، بل التقرير: هو كل ما دل على إقرار الرسول r على ما حدث في حضرته، أو مما بلغه، بأي أسلوب إقراري كان. وحتى جعل بعض المحققين إقراره بالقول أيضا من التقرير. قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: "فإن عماد الإقرار هو الرضا والموافقة على ما صدر من غيره بالسكوت منه، أو بالثناء، والاستبشار. أما الإنشاء فهو غيره، وهو أن يبدأ الرسول r ببيان الشيء من تلقاء نفسه، فيصرح بجوازه أو يشير إليه. أما إذا صحب أو لحق صدور ذاك القول، أو الفعل من القائم به: استبشارٌ من النبي r، أو تبسَّمٌ، أو إقرارٌ قوليٌّ بمثل قوله: "صدق سلمان"، وقوله: "أصبت السنة"، وقوله في حديث دابة البحر- العنبر -: "هل معكم من لحمه شيء فتطعموننا"، وقوله: "وما أدراك أنها رقية؟ خذوها - أي الغنم- واضربوا لي معكم بسهم"، وقوله: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرفعة" أي سماوات. إذا صحبه هذا كان من أقوى الإقرار وأوضحه في الدلالة على جواز ذلك القول أو الفعل، كما ذكره علماء أصول الفقه في مبحث التقرير من كتبهم، وعلماء مصطلح الحديث في كتبهم". عبد الفتاح أبو غدة، التتمات الخمس (القاهرة، دار السلام، ط5، 1421هـ: ص98).
[16]أخرجه البخاري:كتاب العلم، باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث، ج1، ص47، رقم الحديث 93 ومسلم: كتاب الفضائل، باب توقير r وترك إكثار السؤال عما لا ضرورة إليه، ج4، ص1832، رقم الحديث 2359.
[17] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج1، ص254.
[18] أي أسرع. والطرف: امتداد لحظ الإنسان إلى أقصى ما يراه. ويطلق أيضا على حركة جفن العين، وكأنه المراد هنا. والمراد أنه لما بذر لم يكن بين ذلك وبين استواء الزرع ونجاز أمره كله من القلع والحصد والتذرية والجمع والتكويم إلا قدر لمحة البصر (انظر:ابن حجر العسقلاني، فتح الباري, ج5, ص297)
[19] أخرجه البخاري: كتاب المزارعة، باب كراء الأرض بالذهب والفضة، ج2، ص826، رقم الحديث 2221.
[20] أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب حب الرجل بعض نسائه، ج5، ص2001، رقم الحديث 4920.
[21] هو يريد بذلك أن المقصود بالعيب الذي يرد به المبتاع هو ليس عاما لكل عيب، وإنما المقصود به عيب في الجسد. ولكن البلقيني استنبط من حديث أبي داود الآتي عيبا في الأخلاق مثل الغصب، وهو أمر لا يرضى بذلك البلقيني، وهو سبب حصل بعد عصر النبوة.
[22] أبو داود: كتاب البيوع، باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله فوجد به عيباً، ج3، ص284، رقم الحديث 3509. قال الشوكاني: ولهذا الحديث في سنن أبي داود ثلاث طرق؛ اثنتان رجالهما رجال الصحيح، والثالثة قال أبو داود إسنادها ليس بذاك، ولعل سبب ذلك أن فيه مسلم بن خالد الزنجي، شيخ الشافعي، وقد وثقه يحيى بن معين وتابعه عمر بن علي المقدمي وهو متفق على الاحتجاج به. الشوكاني، محمد بن علي: نيل الأوطار، (بيروت، دار الجيل، د.ط، 1972م) ج5، ص326. والألباني حسّنه في صحيح سنن أبي داود ج2، ص679، رقم الحديث 2994.
[23] أي استخدمته. العظيم آبادي، العطيم آبادي: شمس الحق، عون المعبود شرح سنن أبي داود (بيروت، دار الكتب العلمية، د.ط.، د.ت)، ج9، ص303.
[24] والغَلَّة : الدَّخْل الذي يَحْصُل من الزَّرْع والثَّمر , واللبن والاجارة والنتِّاج ونحو ذلك. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث (تحقيق طاهر أحمد الزاوي، بيروت، دار الفكر، ط3، 1979م)ج 3، ص 381.
[25]البلقيني، محاسن الاصطلاح، ص361.
د. محمد عصري زين العابدين
(moasriza@yahoo.com)
إن كتاب البلقيني "محاسن الاصطلاح" يعتبر أقدم المصادر الموجودة بأيدينا اليوم الذي تعرض لهذا الموضوع. وحتى الحافظ ابن حجر (ت852هـ) [2] - وهو محقق كبير- عندما ذكر كتاب أبي حفص العُكبري (ت417هـ) [3] في نزهة النظر، قال: "ومن المهم معرفة سبب الحديث، وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي، وهو أبو حفص العُكْبري، وقد ذكر الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد[4] أن بعض أهل عصره شرع في جمع ذلك، وكأنه ما رأى تصنيف العكبري المذكور"[5].
اكتفى ابن حجر بهذا القدر من الكلام في بيان تطور علم سبب ورود الحديث، ولم يزد عن ثلاثة أسطر، وليس من عادته أن يكتفي بهذه الأسطر القليلة، ولا يتصور لمثله أن يقتصر في شرح مثل هذا الفن العظيم بهذا الاقتصار إلا لسبب من الأسباب. وأرى أن ذلك، إما لأنه قد ذكر ذلك في كتاب مختصر، وإما أنه لم يصل إليه كتاب العكبري بكامله.
والاحتمال الثاني هو الراجح عندي؛ إذ يؤيده قوله في الفتح: "وأما حديث أبي موسى فقوله: "احترق بيت بالمدينة على أهله"[6] لم أقف على تسميتهم". ثم قال: "قال ابن دقيق العيد: يؤخذ من حديث أبي موسى سبب الأمر في حديث جابر بإطفاء المصابيح، وهو فن حسن غريب، ولو تُتُبِّعَ لحصل منه فوائد".
قال ابن حجر تعليقاً عليه: "قلت: قد أفرده أبو حفص العكبري من شيوخ أبي يعلى بن الفراء[7] بالتصنيف، وهو في المائة الخامسة، ووقفت على مختصر منه، وكأن الشيخ ما وقف عليه، فلذلك تمنى أن لو تتبع"[8]. هذا دل على أنه لم يحصل على الكتاب بكامله، وإنما الذي عنده مختصره.
وعند ما راجعت "محاسن الاصطلاح للبلقيني" فوجدته افتتح باب سبب الحديث بذكر ما قاله ابن دقيق العيد (ت702هـ)، فقال:
"قال الشيخ أبو الفتح القشيري، المشهور بابن دقيق العيد رحمه الله في شرح العمدة[9] في الكلام على حديث "إنما الأعمال بالنيات" في المبحث التاسع: شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف أسباب الحديث، كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز، فوقفت من ذلك على شيء يسير له، وحديث "إنما الأعمال بالنيات" يدخل في هذا القبيل، وينضم إلى ذلك نظائر كثيرة لمن قصد تتبُّعَه"[10].
ولم يعلق البلقيني على هذا الكلام، ولم يعقب عليه كما صنع ابن حجر. وهذا يدل على أنه أقرَّ لما قاله ابن دقيق العيد، وعلى أنه لم يصل إليه أيُّ كتابٍ في هذا الفن. فانطلاقا من هذه النقطة، تبين أن البلقيني عندما كتب هذا الموضوع لم يكن بين يديه مصدر يقلده، أو ينسخ منه؛ وإن كانت الفكرة موجودة.
فكتابه في سبب ورود الحديث إذاً، من أسبق ما كتب في هذا الفن، وشأنه فيه كشأن من يبدأ علما، فغالبا ما يذكر شيئا وتفوت عليه أشياء، لذلك جاءت دراسته مقتضبة وغير مرتبة، حتى لا نجد عنده تعريفا خاصا لسبب ورود الحديث الذي هو يبحث فيه، إلا أن نقله كلام ابن دقيق العيد السابق: "شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف أسباب الحديث، كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز"، وعدم تعليقه عليه، يدل على أن تعريف "سبب ورود الحديث" عنده هو نفس تعريف "سبب النزول".
غير أنه بعد ما عرض مجموعةً من الأحاديث التي لها أسبابها قال:
"وما ذُكِرَ في هذا النوع من الأسباب: قد يكون ما ذُكِرَ عقبَ ذلك السبب من لفظ النبي r أولَ ما تكلم به النبي r في ذلك الوقت؛ وقد يكون تكلم به قبل ذلك لنحوِ ذلك السبب، أو لا لسببٍ، وقد يتعين أن يكون أول ما تكلم به في ذلك الوقت، لأمور تظهر للعارف بهذا الشأن"[11].
يفهم من هذه العبارة أن مفهوم سبب ورود الحديث عنده هو "ما ذُكِرَ قبل الحديث القولي". فهو بذلك خصه بالأحاديث القولية فقط. وأما الأحاديث الفعلية والتقريرية فهي خارجة عن دائرة سبب الورود حسب ما قال البلقيني، وحسب ما ذكر من النماذج.
مناقشة رأي البلقيني وتحليله:
تبيَّن مما سبق أن سبب الورود عند البلقيني محصور في الأحاديث القولية فقط، وليس للأحاديث الفعلية والتقريرية سبب. هذا ما يفهم من قوله: "... من لفظ النبي ...". ومن قوله: "... أول ما تكلم به النبي...". ومن قوله: "... وقد يكون تكلم به...". ومن قوله: "... وقد يتعين أن يكون أول ما تكلم به...". فبذلك يمكن لنا أن نقول: إن سبب ورود الحديث عنده هو "ما لأجله قال النبي r حديثه القولي".
وحصره سبب ورود الحديث في الأحاديث القولية فقط دون غيرها يرفضه واقع أحاديث كثيرة، لأن هناك كثيرا من الأحاديث الفعلية والتقريرية، لها أسباب مروية عن رسول اللهr، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة، نكتفي بذكر بعض منها:
أمثلة من السنن الفعلية التي لها سبب الورود:
1- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "والله لقد رأيت رسول اللهr يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول اللهr، يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، حريصة على اللهو"[12].
فقولها: "يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم". وقولها: "يقوم من أجلي" حديث فعلي، وله سبب.
2- وعنها رضي الله عنها أيضا، قالت: "لقد رأيتني ورسول الله r يصلي، وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي، فقبضتهما"[13].
هذا الحديث فعلي خالص، ليس فيه لفظ نبوي، وله سبب، وهو غمزه r رجلها لكي تفسح له مكان سجوده في الصلاة، وإلا لكان هذا الفعل عبثاً ولغواً في الصلاة، وحاشا أن يفعل رسول الله r في صلاته عبثاً أو لغواً.
3- وقال أنس بن مالك t: "كان رسول اللهr يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة"[14].
يتضح من هذا الحديث أن سبب تخفيف قراءته وتقصيرها بكاء الصبي. وتخفيف القراءة وتقصيرها ليس لفظا، وإنما هو فعل، وله سبب، وهو بكاء الصبي.
ومن الأحاديث التقريرية[15]:
1- عن أنس بن مالك t: "أن رسول اللهr خرج، فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة". ثم أكثر أن يقول: "سلوني"، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدr نبياً، فسكت"[16].
فعدم رد النبي r على ما قاله عمر، واكتفاؤه بالسكوت تعبيرٌ عن رضاه للقول، كما قال ابن حجر العسقلاني (ت852هـ): "فرضي النبي r بذلك فسكت"[17].
2- عن أبي هريرة t: أن النبي r كان يوما يحدث - وعنده رجل من أهل البادية -: "أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: "ألستَ فيما شئتَ؟". قال: "بلى، ولكني أحب أن أزرع". قال: "فبذر، فبادر الطرفَ[18]نباتُه واستواؤه واستحصادُه، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: "دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء". فقال الأعرابي: "والله لا تجده إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع". فضحك النبي r[19].
وليس في هذا الحديث لفظ نبوي، وضحكه r علامة على عدم إنكاره ما قاله الأعرابي.
فهو حديث تقريري، وله سبب.
3- عن عمر t، أنه دخل على حفصة، فقال: "يا بنية! لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله r إياها" - يريد عائشة رضي الله عنها -، فقصصتُ على رسول الله r، فتبسم[20].
وتبسمه r دليل على رضاه عما فعل عمر. فهو حديث تقريري، وله سبب وهو قول عمر ما قال.
فمثل هذه الأحاديث حسب قول البلقيني لا تعد من الأحاديث التي لها أسباب الورود، مع أن لها أسباب كما رأينا في الأمثلة السابقة.
موقف البلقيني من سبب الورود بعد عصر النبوة:
يتضح من خلال المجموعة الحديثية التي عرضها البلقيني في هذا المبحث أنه يرى الأخذ بسبب الورود الذي كان في عصر النبوة، لا الذي حصل بعده، فإن تلك المجموعة من الأحاديث كلها من الأحاديث التي لها أسباب في عصر النبوة، لا بعده.
إلا أن هناك كلاما يدل على أن البلقيني لا يرى الأخذ بالسبب بعد عصر النبوة، حيث إنه ذكر لحديث "الخراج بالضمان" سبباً مرفوعا إلى النبي r (أي سببا في عصر النبي r)، وذلك السبب هو أن رجلاً ابتاع عبداً، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي r فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله! قد استغل غلامي؟ فقال رسول الله r: "الخراج بالضمان". وعلق البلقيني عليه بقوله: "وذكر السبب يتبين به الفقه في المسألة". ثم قال -وهو شاهدنا -:
"وقد جاء في سنن أبي داود أمر آخر يفهم منه تعدي ذلك إلى الغاصب[21]، قال أبو داود[22]: حدثنا محمود بن خالد الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن مخلد بن خفاف الغفاري، قال: "كان بيني وبين أناس شركة في عبد، فاقتويته[23]، وبعضنا غائب، فأغل[24] علي غلة، فخاصمني في نصيبه إلى بعض القضاة، فأمرني أن أرد الغلة، فأتيت عروة بن الزبير، فحدثته، فأتاه عروة فحدثه عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله r قال: "الخراج بالضمان".
ثم قال البلقيني: "وقد أخذ بهذا العموم جماعة من العلماء من المدنيين والكوفيين، والأخذ بالسبب المرفوع أقوى، لأمور ليس هذا موضع بسطها"[25].
فقوله: "والأخذ بالسبب المرفوع أقوى" أي الأخذ بالسبب في عصر النبوة أقوى من السبب بعد عصر النبوة. فهذا يستشفُّ منه أنه لا يرضى الأخذ بما حصل من الأسباب بعد عصر النبوة. وأما الأمور التي ترك بيانها هنا فيا ليت لو بسطها في هذا الموضع لحلت لنا كثيراً من المشكلات التي اعترتنا في هذا المبحث في سبيل القطع بالأخذ بالسبب بعد عصر النبوة.
[1] هو الإمام سراج الدين، أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير الكناني الشافعي. ولد في ثاني شعبان سنة 724هـ. وأجاز له المزي والذهبي وخلق لا يحصون، وأخذ الفقه عن ابن عدلان والتقي السبكي، والنحو عن أبي حيان، وانتهت إليه رياسة المذهب والإفتاء. وولي قضاء الشام سنة 769هـ نيابة عن الإمام تاج الدين السبكي، فباشره دون السنة، وولي تدريس الخشابية والتفسير بجامع ابن طولون والظاهرية وغير ذلك. وألف في علم الحديث محاسن الاصطلاح وتضمين ابن الصلاح، وله شرح على البخاري والترمذي وأشياء أخر. مات في عاشر ذي القعدة سنة 805هـ. السيوطي: طبقات الحفاظ، ج1، ص 543-542.
[2]هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي، وكان شيخ الإسلام وإمام الحفاظ في زمانه، وحافظ الديار المصرية، بل حافظ الدنيا مطلقا آنذاك. ولد في سنة 773هـ، وبدأ طلب الحديث من سنة 794هـ، فسمع الكثير ورحل، ولازم شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي، وبرع في الحديث، وتقدم في جميع فنونه. )انظر: السيوطي، المرجع نفسه ج1، ص552(.
[3] أبو حفص العكبري هذا من هو؟ لم أستطع القطع به، ولكن في ضوء ما قال ابن حجر عنه كما سيأتي: "إنه من شيوخ أبي يعلى بن الفراء، وهو في المائة الخامسة" يبدو لي أنه عمر بن أحمد بن عثمان أبو حفص البزاز، المعروف بابن أبي عمرو من أهل عكبرا. قال الخطيب: كتبت عنه بعكبرا في سنة 410هـ، وكان ثقة أمينا مقبول الشهادة عند الحكام، مات في سنة سبع عشرة وأربعمائة، ومولده في سنة عشرين وثلاثمائة. هكذا قال الخطيب في تاريخ بغداد (دار الكتب العلمية، بيروت، د.ط، د.ت) ج 11، ص273.
وهو الذي ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء (تحقيق شعيب الأرنؤوط وزميله، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط9، 1413هـ): ج17، ص360. إلا أنه أخطأ في نقله عن الخطيب "أرخ الخطيب وفاته في سنة سبع عشرة وثلثمائة" بوقوع بصره عند كتابة السنة على سنة ميلاده، والدليل على ذلك أن الذهبي لم يذكر سنة ميلاده، وليس من عادته أن يترك كتابة تاريخ ميلاد المترجم له إذا عرف. قلت: فهو من المائة الخامسة، وهو من شيوخ الخطيب، كما أن أبا يعلى بن الفراء أيضا من شيوخ الخطيب. أما كونه "أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء العكبري المتوفى سنة 339هـ" كما قال أحمد شاكر في شرح ألفية السيوطي في علم الحديث (د. م، المكتبة العلمية، د.ط، د.ت): ص106 ولا أرى في ذلك صوابا.
[4] هو الإمام الفقيه المحدث، شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح، محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي الصعيدي المالكي والشافعي، صاحب التصانيف، ولد في شعبان سنة 625هـ بقرب ينبع من الحجاز، وتوفي في صفر سنة 702هـ. الذهبي: تذكرة الحفاظ: (تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الرياض، دار الصميعي، ط1، 1415هـ): ج4، ص1481.
[5] ابن حجر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ص125-126.
[6] وهو عن أبي موسى t قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فحدث بشأنهم r، قال: "إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم". صحيح البخاري: كتاب الاستئذان، باب لا تترك النار في البيت عند النوم ج5، ص 2319، رقم الحديث 5936.
[7] هو القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي ابن الفراء صاحب التعليقة الكبرى والتصانيف المفيدة في المذهب، ولد في المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة، وسمع علي بن عمر الحربي وإسماعيل بن سويد وأبا القاسم بن حبابة وطائفة، وحدث عنه الخطيب وأبو الخطاب الكلوذاني وأبو الوفاء بن عقيل وأبو غالب ابن البناء وابنه القاضي أبو الحسين محمد بن محمد ابن الفراء، وكان عالم العراق في زمانه مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره والنظر والأصول، وكان أبوه من أعيان الحنفية، وتوفي سنة 458هـ. الخطيب، تاريخ بغداد ج2، ص 256، والذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 18، ص 89.
[8] ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري (تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، بيروت، دار الفكر، ط1، 1993م): ج12، ص360.
[9] يريد به إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام.
[10] البلقيني، عمر بن رسلان: محاسن الاصطلاح، (تحقيق خليل المنصور، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1999م): ص355.
[11] البلقيني، المصدر السابق، ص365.
[12] أخرجه البخاري، محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري (تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، بيروت، دار ابن كثير، ط3، 1986م) كتاب المساجد، باب أصحاب الحراب في المسجد، ج1، ص172 رقم الحديث 443، ومسلم، مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم (تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ط.، د. ت) كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، ج2، ص609، رقم الحديث 892 واللفظ لمسلم.
[13] أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد، رقم الحديث 497، ومسلم: كتاب، باب، ج1، ص367، رقم الحديث 512.
[14] أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكـاء الصبي، ج1، ص250، رقم الحديث 676 ومسلم: كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، ج1،ص340، رقم الحديث 470 واللفظ له.
[15] الحديث التقريري هو أن يقر الرسول r أمرا علمه عن أحد أصحابه من قول، أو فعل، سواء أكان ذلك في حضرته عليه الصلاة والسلام، أو مما بلغه. ويكون الإقرار بسكوتٍ مع دلالة الرضا، أو بإظهارِ استحسانٍ وقبولٍ. ذلك أن الأمر لو كان غير مشروع لما أقره عليه، لأن الرسول يحمل أمانة الشريعة، وتبليغ رسالة السماء إلى سكان الأرض، وهذا بالإضافة إلى كونه معصوما، ويتنافى مع ذلك كله عدمُ إنكاره لشيء مخالف وغير مشروع. انظر: د. محمد أديب صالح، لمحات في أصول الحديث (بيروت، المكتب الإسلامي، ط5، 1409هـ: ص29).
قد يظن أن التقرير هو سكوته r على شيء فقط. والأمر ليس كذلك، بل التقرير: هو كل ما دل على إقرار الرسول r على ما حدث في حضرته، أو مما بلغه، بأي أسلوب إقراري كان. وحتى جعل بعض المحققين إقراره بالقول أيضا من التقرير. قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: "فإن عماد الإقرار هو الرضا والموافقة على ما صدر من غيره بالسكوت منه، أو بالثناء، والاستبشار. أما الإنشاء فهو غيره، وهو أن يبدأ الرسول r ببيان الشيء من تلقاء نفسه، فيصرح بجوازه أو يشير إليه. أما إذا صحب أو لحق صدور ذاك القول، أو الفعل من القائم به: استبشارٌ من النبي r، أو تبسَّمٌ، أو إقرارٌ قوليٌّ بمثل قوله: "صدق سلمان"، وقوله: "أصبت السنة"، وقوله في حديث دابة البحر- العنبر -: "هل معكم من لحمه شيء فتطعموننا"، وقوله: "وما أدراك أنها رقية؟ خذوها - أي الغنم- واضربوا لي معكم بسهم"، وقوله: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرفعة" أي سماوات. إذا صحبه هذا كان من أقوى الإقرار وأوضحه في الدلالة على جواز ذلك القول أو الفعل، كما ذكره علماء أصول الفقه في مبحث التقرير من كتبهم، وعلماء مصطلح الحديث في كتبهم". عبد الفتاح أبو غدة، التتمات الخمس (القاهرة، دار السلام، ط5، 1421هـ: ص98).
[16]أخرجه البخاري:كتاب العلم، باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث، ج1، ص47، رقم الحديث 93 ومسلم: كتاب الفضائل، باب توقير r وترك إكثار السؤال عما لا ضرورة إليه، ج4، ص1832، رقم الحديث 2359.
[17] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج1، ص254.
[18] أي أسرع. والطرف: امتداد لحظ الإنسان إلى أقصى ما يراه. ويطلق أيضا على حركة جفن العين، وكأنه المراد هنا. والمراد أنه لما بذر لم يكن بين ذلك وبين استواء الزرع ونجاز أمره كله من القلع والحصد والتذرية والجمع والتكويم إلا قدر لمحة البصر (انظر:ابن حجر العسقلاني، فتح الباري, ج5, ص297)
[19] أخرجه البخاري: كتاب المزارعة، باب كراء الأرض بالذهب والفضة، ج2، ص826، رقم الحديث 2221.
[20] أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب حب الرجل بعض نسائه، ج5، ص2001، رقم الحديث 4920.
[21] هو يريد بذلك أن المقصود بالعيب الذي يرد به المبتاع هو ليس عاما لكل عيب، وإنما المقصود به عيب في الجسد. ولكن البلقيني استنبط من حديث أبي داود الآتي عيبا في الأخلاق مثل الغصب، وهو أمر لا يرضى بذلك البلقيني، وهو سبب حصل بعد عصر النبوة.
[22] أبو داود: كتاب البيوع، باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله فوجد به عيباً، ج3، ص284، رقم الحديث 3509. قال الشوكاني: ولهذا الحديث في سنن أبي داود ثلاث طرق؛ اثنتان رجالهما رجال الصحيح، والثالثة قال أبو داود إسنادها ليس بذاك، ولعل سبب ذلك أن فيه مسلم بن خالد الزنجي، شيخ الشافعي، وقد وثقه يحيى بن معين وتابعه عمر بن علي المقدمي وهو متفق على الاحتجاج به. الشوكاني، محمد بن علي: نيل الأوطار، (بيروت، دار الجيل، د.ط، 1972م) ج5، ص326. والألباني حسّنه في صحيح سنن أبي داود ج2، ص679، رقم الحديث 2994.
[23] أي استخدمته. العظيم آبادي، العطيم آبادي: شمس الحق، عون المعبود شرح سنن أبي داود (بيروت، دار الكتب العلمية، د.ط.، د.ت)، ج9، ص303.
[24] والغَلَّة : الدَّخْل الذي يَحْصُل من الزَّرْع والثَّمر , واللبن والاجارة والنتِّاج ونحو ذلك. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث (تحقيق طاهر أحمد الزاوي، بيروت، دار الفكر، ط3، 1979م)ج 3، ص 381.
[25]البلقيني، محاسن الاصطلاح، ص361.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق