الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

التعريف المختار لسبب ورود الحديث

التعريف المختار لسبب ورود الحديث

د. محمد عصري زين العابدين
(
moasriza@yahoo.com)

بعد المناقشة الطويلة في مقالاتي السابقة لتعاريف أو مفاهيم سبب الورود التي استشففناها من كلام بعض من سبقنا من علماء الحديث، نأتي إلى عصارة هذه المناقشة، المتمثلة في التعريف المختار له، المنبني على سبب النزول، وأقوال القدامى ومناقشتها، واستقراء الأحاديث ذوات السبب وتحليلها. مع شرحه مفصلاً.

تعريف "سبب ورود الحديث" بالإفراد

هذا المركب إضافي يتكون من ثلاث كلمات: سبب، ورود، الحديث، وإليكم تعريفها:
1- السبب:
لغةً: قال ابن منظور: السبب الحبل، وكل شيء يتوصل به إلى غيره". وفي نسخة
[1]: "كل شيء يتوسل به إلى شيء غيره" وقد تسبب إليه. والجمع أسباب. وكل شيء يتوصل به إلى الشيء فهو سبب. وجعلت فلاناً لي سببا إلى فلان في حاجتي أي وصلة وذريعة"[2].

اصطلاحاً: هو عند الأصوليين: "ما يضاف إليه الحكم، لتعلق الحكم به من حيث إنه معرِّف للحكم أو غير معرِّف له". وقيل: "ما ظهر الحكم لأجله هبه شرطا أو دليلا أو علة"
[3].

2- ورود:
لغةً: ورد بلد كذا وماء كذا إذا أشرف عليه، دخله أو لم يدخله. وورد فلان ورودا حضر. وأورده غيره واستورده أي أحضره
[4].
اصطلاحاً: سيأتي معناه من خلال التعريف بالتركيب.

3- الحديث:
لغةً: الكلام.
اصطلاحاً: ما أضيف إلى النبي r من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو وصفٍ خُلُقي، أو وصفٍ خِلْقي
[5].

تعريف "سبب ورود الحديث" بالتركيب

هو "ما دعا الحديثَ إلى وجوده، أيام صدوره". وهو التعريف المختار لدينا.

شرح التعريف:
قولنا: "ما": يعم كل ما دعا الحديث إلى الصدور من واقعة، أو سؤال، أو طلب، أو حاجة، أو ما إلى ذلك من الدواعي.

قولنا: "دعا الحديث إلى وجوده: هذا يشير إلى سببيته. أي ما كان سبباً لوجود الحديث، بحيث لولا ذلك لما كان للحديث وجود. وهذا السبب له عدة صور كما تقدمت الإشارة إليه في لفظ "ما". وهذا القيد احتراز عن عدة أمور، منها:

1- ارتباط الجزء بالكل كالركوع والسجود بالنسبة إلى الصلاة. وكغسل الوجه واليدين بالنسبة إلى الوضوء. فلا يقال: "إن سبب ركوعه r أو سجوده صلاته". أو "إن سبب غَسْل وجهه r وضوءه".

ولكن إذا حصل فزاد في عبادته المخصوصة بصفاتها المعلومة كالصلاة، أمراً يخالف طبيعة هذه العبادة التي هو يداوم عليها كالركوعات الزائدة في صلاة الكسوف، والقنوت في صلاة الوتر، والسجدتين بعد التشهد أو تسليم الصلاة، فندرك أن هذه الزيادات منوطة بالأسباب.

2- وهو كذلك احتراز من "مناسبة الحديث التي كانت سبباً لذكر الصحابي له". سبق له من الأمثلة. ومثل ما روي عن عقبة بن عامر t، قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله r قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة". قال: فقلت: "ما أجود هذه!". فإذا قائل بين يدي يقول: "التي قبلها أجود". فنظرت، فإذا عمر قال: "إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: "ما منكم من أحد، يتوضأ فَيُبْلِغُ أو فيُسْبِغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء"
[6].

فهذه المناسبة ليست سببا لصدور الحديث عن النبي r، وإنما هو سبب لذكر عمر بن الخطاب t الحديث لعقبة لتأخره عن حضور جلسة النبي r.

قولنا: "الحديث": تقدم تعريفه. وهو يعم ما يفيد حكماً شرعياً، أو لا. وما صدر بعد البعثة أو قبلها.

وإنما اخترنا لفظ "الحديث"، لا "السنة"، لأن السنة أحياناً تفرق الحديث بفرقٍ دقيقٍ، كقول ابن مهدي (ت197هـ)
[7]: "سفيان الثوري إمام في الحديث، وليس إماماً في السنة، الأوزاعي إمام في السنة وليس إماماً في الحديث، ومالك بن أنس إمام فيهما جميعا"[8].

علَّق الدكتور. همام عبد الرحيم سعيد على قول الأوزاعي هذا: "يستفاد من هذه العبارة، أن السنة مادة الفقهاء والأصوليين الذين يبحثون عن أقوال النبي r، وأفعاله وتقريراته، التي تستمد منها الأحكام الشرعية، وتؤخذ منها الفرائض والنوافل والإباحات، ويعرف بها الحلال والحرام. أما الحديث فهو مادة المحدث الذي يثبت النصوص كما جاءت، وقد لا يعنيه ما تحتويه هذه النصوص من أحكام دقيقة واستنباطات فقهية. وقد يجمع العالم بين الأمرين معا، كما قال ابن مهدي عن الإمام مالك بن أنس".

ثم قال: "ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن كل سنةٍ حديثٌ، وليس كلُّ حديثٍ سنةً. ومن أوضح الأمثلة على هذا، حديث "الوضوء مما مسّت النار. فعن أبي هريرة: "قال رسول الله r: "الوضوء مما مست النار ولو من ثور
[9] أقط[10]". فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة‍‍! أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال أبو هريرة "يا ابن أخي إذا سمعت حديثا عن رسول الله r فلا تضرب له مثلا"[11].

"فهذا الحديث يفيد حكماً شرعياً، وهو أن من يأكل طعاماً مطبوخاً على النار، فإنه يلزمه الوضوء بعد ذلك. ولكن النبي r ترك الوضوء من ذلك، وكان يأكل ما مست النار من لحم أو غيره، ثم يقوم فيصلى بوضوئه السابق. وترك العمل بالحديث الأول لنسخ طرأ عليه، إذ رفع حكمه بحكم جاء بعده"
[12].

وقال في كتاب آخر: "أما الحديث فهو أعم من السنة من حيث المفهوم؛ إذ أنه يزيد على السنة في تناوله لكل ما صدر عن النبي r، حتى ولو كان منسوخاً ليس عليه العمل، ويتناول صفة النبي r الخِلقية من حيث لونه وجسمه وشعره وطوله، وصفاته الجبلية من حيث صحته ومرضه، وما يميل إليه من الطعام وما لا يرغب فيه. فليس المقصود برواية هذه الأمور الجريان والاعتياد والاتباع، وإنما المقصود عند روايتها الوقوف على عصر النبوة، ومعرفة النبي r حتى يصبح شخصه، وعصره، ومراحل سيرته على تمام الوضوح والجلاء". وقال أيضا: "ونخلص من هذا إلى أن الحديث أعم من السنة، فكل سنة حديث، وليس كل حديث سنة. والسنة هي غاية الحديث وثمرته"
[13].

وقال الدكتور. صبحي صالح
[14]: "والسنة - في الأصل - ليست مساوية للحديث، فإنها -تبعاً لمعناها اللغوي - كانت تُطلَق على الطريقة الدينية التي سلكها النبي r في سيرته المطهرة، لأن معنى السنة لغةً الطريقة. فإذا كان الحديث عاماً يشمل قول النبي وفعله، فالسنة خاصة بأعمال النبي عليه السلام. وفي ضوء هذا التباين بين المفهومين، ندرك قول المحدثين أحيانا: "هذا الحديث مخالف للقياس والسنة والإجماع"، أو قولهم: "إمام في الحديث، وإمام في السنة، وإمام فيهما معا". وأغرب من هذا كله أن أحد المفهومين يدعم بالآخر، كأنهما متغايران من كل وجه، حتى صح أن يذكر ابن النديم كتابا بعنوان: "كتاب السنن بشواهد الحديث[15]". وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: "لفظ السنة في الحديث النبوي وكلام الصحابة والتابعين معناه: الطريقة المشروعة المُتَّبعة في الدين"[16].

قولنا: "إلى وجوده": أي صدوره عن النبي r قولاً، أو فعلاً، أو تقريراً، أو وصفاً خُلُقياً، أو وصفاً خِلْقياً.

وقولنا: أيام صدوره:
هذا القيد للاحتراز عن الوقائع والأحوال الماضية والمستقبلة التي ذكرت بعض الأحاديث، لأنها لا تصلح أن تكون أسباباً لما سيأتي في المستقبل. إلا أن الإمام السيوطي رحمه الله (ت911هـ) اعتبرها أسبابا لورود الحديث، وأنكرها في سبب النزول كما سبق ذكرها. وكذلك هو احتراز عما يقال بسبب الورود بعد عصر النبوة، كما فعل ابن حمزة الحسيني، كما سبق.

[1] أي نسخة أخرى للكتاب الذي نقله منه.
[2] الرازي: مختار الصحاح (تحقيق محمود خاطر، بيروت، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، 1995م) ص119، وابن منظور: لسان العرب (بيروت، دار صادر، د. ط، د.ت) ج1، ص458.
[3] المناوي، محمد بن عبد الرؤوف: التوقيف على مهمات التعاريف: (تحقيق محمد رضوان الداية، بيروت، دار الفكر المعاصر، ط1، 1410هـ) ص395.
[4] الرازي: مختار الصحاح، ص 298، وابن منظور: لسان العرب: ج3، ص457.
[5] انظر:أبو شهبه، الوسيط في علوم الحديث (القاهرة، دار الفكر العربي، د.ط، د.ت) ص15.
[6]أخرجه مسلم: كتاب كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، ج1،ص209، رقم الحديث 234.
[7] هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان. ولد سنة 135هـ، قال ابن المديني: كان أعلم الناس. وقال أبو حاتم: هو إمام ثقة، أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع. وقال أحمد: إذا حدث ابن مهدي عن رجل فهو حجة. مات بالبصرة سنة 198هـ . انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج9، ص199، والسيوطي، طبقات الحفاظ، ج1، ص144.
[8]الزُّرقاني: محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطأ مالك (بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1997م) ج1، ص36.
[9]الثور: قطعة من الأقط. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ج1، ص228.
[10]الأقط: اللبن الجامد المستحجر.المصدر نفسه، ج1، ص228.
[11]هذا الحديث أخرجه الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار، ج1، ص114، رقم الحديث 79.
[12] همام عبد الرحيم سعيد، التمهيد في علوم الحديث (عمَّان، دار الفرقان للنشر، ط1، 1992م) ص12.
[13] همام سعيد، الفكر المنهجي عند المحدثين (قطر، رئاسة المحكمة الشرعية، ط1، 1987) ص28-30.
[14]د.صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه (بيروت، دار العلم للملايين، ط17، 1988م) ص6.
[15]قال في ترجمة المروزي أحمد بن محمد بن الحجاج: "وله من الكتب: كتاب السنن بشواهد الحديث". ابن نديم، محمد بن إسحاق، الفهرست (بيروت، دار المعرفة، د.ط.، 1978م) ج1، ص 321. وكذلك ذكر قبله في ترجمة الأثرم أبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ: "له كتاب السنن في الفقه على مذاهب أحمد وشواهده من الحديث": ج1، ص32.
[16] عبد الفتاح أبو غدة، السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي (دمشق، دار القلم، ط1، 1992م) ص19.

سبب ورود الحديث عند ابن حمزة

مفهوم سبب ورود الحديث عند ابن حمزة تبعاً لابن ناصر الدين الدمشقي

د. محمد عصري زين العابدين
(moasriza@yahoo.com)

لم يذكر ابن حمزة الحسيني[1] (ت1120هـ) في كتابه "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" تعريفاً لسبب الورود أو مفهوماً له من عند نفسه، وإنما اكتفى مما ذكره البلقيني في "محاسن الاصطلاح" بما يلي:
"وما ذكر في هذا النوع من الأسباب، قد يكون ما ذكر عقب ذلك السبب من لفظ النبي r أول ما تكلم به r في ذلك الوقت، لأمور تظهر للعارف بهذا الشأن".

ثم قال: "هذا ملخص ما أفاده البلقيني في كتاب محاسن الاصطلاح". ثم قال: "وأفاد الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي
[2] (ت842هـ) في التعليقة اللطيفة لحديث البضعة الشريفة أنه يأتي سبب الحديث تارة في عصر النبوة، وتارة بعدها، وتارة يأتي بالأمرين"[3].

هذا كل ما قاله أو نقله ابن حمزة. وهو كما ترون ليس بتعريف لسبب ورود الحديث، وإنما هو يتعلق بزمان سبب الورود، فهو إما يكون في عصر النبوة، وإما بعدها، وإما كلا الأمرين.
ولكن بإمكاننا أن نستنبط منه أن تعريف "سبب ورود الحديث" عند ابن ناصر الدين الدمشقي وابن حمزة الحسيني هو: "ما وقع في عصر النبوة، أو بعدها، أو في كليهما".

فهذا الذي استنبطناه من كلامه يدل على أن سبب الورود عند ابن حمزة يكون أحد الثلاثة:
الأول: ما هو في عصر النبوة، وهذا ليس موضع الخلاف بيننا وبينه في شئ، وله أمثلة كثيرة كما سيمر بنا في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى.
الثاني: ما يكون بعد عصر النبوة.
الثالث: ما يكون مزدوجاً من السبب في عصرها والسبب بعد عصرها.
وهذان الأخيران سوف نناقشه فيهما فيما يأتي بإذن الله تعالى.


السبب بعد عصر النبوة والسبب المزدوج:

ذكر ابن حمزة لهما أمثلة عديدة، نذكر البعض منها لنرى مصداقية دعواه.

أ- أمثلة للسبب بعد عصر النبوة:

1- حديث "احتكار الطعام بمكة إلحاد"
[4]:
قال: "سببه: روى البيهقي عن عطاء: أن ابن عمر طلب رجلا فقالوا: "ذهب ليشتري طعاماً، فقال: للبيت أو للبيع؟ قالوا للبيع. قال: أخبروه أني سمعت رسول الله r يقول فذكره" ثم قال: "هذا سبب بعد عصر النبوة"
[5].
هذا كما ترون جعله ابن حمزة سببا له، وهذا توسع منه رحمه الله في مدلول السبب، وهو عند تحقيقي ليس سبباً، وإنما هو تطبيق لابن عمر لذلك الحديث. أو استدلال به على تحريم الاحتكار.

2- حديث "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك"
[6]:
قال: سببه ما أخرجه أبو داود بسنده عن يوسف بن ماهك المكي قال: "كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت لهم من مالهم مثلها، قال: قلت: أقبض الألف الذي ذهبوا به منك. قال: لا، حدثني أبي أنه سمع رسول الله r يقول: أد الأمانة فذكره". ثم قال: "هذا سبب بعد عصر النبوة"
[7].
وهذا أيضا على شاكلة الحديث السابق، وليس سبباً للحديث كما ظن ابن حمزة.

ب- أمثلة للسبب المزدوج من السبب في عصر النبوة والسبب بعده:

1- حديث جزء بن قيس: "اغفر، فإن عاقبت فعاقب بقدر الذنب، واتق الوجه
[8]".
قال: "سببه عنه، قال: قلت: يا رسول الله! إن أهلي عصوني فبم أعاقبهم؟ قال: اغفر ثلاثا، فإن عاقبت فذكره".

ثم قال أيضا: "وسببه بعد عصر النبوة أن عيينة عم جزء دخل على عمر رضي الله عنه، فقال: ها ابن الخطاب! والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال جزء: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه: "خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين". ثم ذكر هذا الخبر
[9].

2- بل أحيانا يقدم السبب الذي بعد عصر النبوة على سبب عصره r، ومن أمثلته:
حديث "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع".
قال: "سببه عن أبي سعيد الخدري t، قال: كنت جالسا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى الأشعري فزعا، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه فسلمت ثلاثا، فلم يرد فرجعت. فقال: ما منعك أن تدخل؟ قال:كيف وقد قال رسول الله r: إذا.. فذكره"
[10].
ثم قال: "وهذا سبب بعد عصر النبوة، والسبب في عصر النبوة يأتي في حديث "أكل طعامكم الأبرار" الحديث. وذلك أن النبي r أتى باب سعد بن عبادة t، فقال: سلام الله، فرد سعد فلم يسمع النبي r ثلاث مرات، وكان النبي r لا يزيد فوق ثلاث تسليمات، فإن أذن له وإلا انصرف"
[11].

لاحظوا أن كلا الصحابيين قد عملا بذلك الحديث، أحدهما بعد عصره، والآخر في حياته، ولا يصلح أحدهما سبباً لذلك الحديث، ولكن جعلهما ابن حمزة سبباً له مزدوجا. بل قدم ما كان بعد عصر النبوة على ما في عصرها.

مناقشة ما ذهب إليه ابن حمزة الحسيني:

لاحظنا مما سبق من الأمثلة أن كل ما ذكره ابن حمزة من أمثلة للسبب بعد عصر النبوة، أو السبب في عصر النبوة وبعدها معا، هو في الحقيقة ليس بسبب للحديث، وإنما هو مما استدل به الصحابي على مسألة.

ثم إن ما توسع ابن حمزة رحمه الله في مدلول السبب تبعاً لابن ناصر الدين، مِنْ جعلهما ذكرَ الصحابي الحديثَ في مناسبةٍ من المناسبات للاستدلال به فيها، سبباً لذلك الحديث، أمرٌ لا يمكن قبوله، لعدة وجوه:
أولاً: أننا لو تتبعنا سبب ذكر الصحابة الحديث نجد أنه ليس كل استدلالات الصحابي بالأحاديث في مكانها، ولعله أحد أسباب استدراكات الصحابة بعضهم على بعض، ومنها ما جمع الإمام الزركشي (ت794هـ)
[12] في كتابه، "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة رضي الله عنها على الصحابة". وكذلك استدراكات الآخرين كما لا يخفي على المتخصصين في هذا المجال. ولنا في ذلك أمثلة كثيرة، منها:
1- ما حصل لأبي بكرة t في استدلاله بحديث "القاتل و المقتول في النار":
عن الأحنف بن قيس t، قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار"
[13].

هذا الحديث ذكره ابن حمزة في كتابه، وقال: "سببه عنه قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل
[14]، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: "أنصر هذا الرجل". فقال: "ارجع فإني سمعت رسول الله r يقول: إذا التقى فذكره، وفي آخره، قلت: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه". ثم قال ابن حمزة: "هذا السبب بعد عصر النبوة"[15].

إن استدلال أبي بكرة t بهذا الحديث في هذا الموضع يقتضي أن يكون علي وطلحة والزبير وعائشة y من أهل النار، وهذا مما يخالف ما جاء في السنة من الروايات الصحيحة الكثيرة في فضائلهم، وبشارة الثلاثة الأول منهم بالجنة. ولذلك قال العلامة الكشميري (ت 1352هـ)
[16]: "وعرض هذا الحديث في واقعة علي t، ومعاوية t في غير محله، فإن الحديث فيمن قاتل على الظلم والجور..."[17].

بل وحتى الأحنف لم يستقر على موقفه السابق، ورجع عن قبول رأي أبي بكرة t، واشترك مع علي بن أبي طالب t في باقي حروبه، قال الحافظ ابن حجر(ت 852 هـ) في شرح هذا الحديث: "وكان الأحنف أراد أن يخرج بقومه إلى علي بن أبي طالب، ليقاتل معه يوم الجمل، فنهاه أبو بكرة، فرجع. وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمَيْن التقيا بسيفهما حسماً للمادة، وإلا فالحق أنه محمول على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ ... يخص ذلك من عموم الحديث المتقدم بدليله الخاص في قتال أهل البغي، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهد مع علي باقي حروبه"
[18].

وأما الإمام النووي
[19] (ت 676هـ) فقد نظر إلى قضية حروب الصحابة بعضهم مع بعض نظرة أخرى أخذت طابع العقيدة عند أهل السنة والجماعة، فقال في شرحه: "واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة y ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون،لم يقصدوا معصية، ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق، ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيباً، وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ لأنه لاجتهادٍ، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم"[20].

تبين مما سبق أن أبا بكرة t كان على خطأ واضح في تطبيق هذا الحديث على ما وقع من المشاجرات بين علي ومن نازعه من الصحابة الكرام. فإذا كان استدلاله نفسه خطأً، فالمبني على هذا الخطأ خطأ أيضاً، فمن ثمَ أخطأ من يريد أن يجعل ذلك سبباً لورود الحديث بعد عصر النبوة.

2- وما حصل للحسن بن علي رضي الله عنهما في تعليل قيامه r للجنازة:
اتفق الأئمة على أن قيام رسول الله r للجنازة وأمره به، سواء كانت للمسلم، أو غير المسلم، ثابت وورد في ذلك عدة أحاديث، منها:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: مر بنا جنازة، فقام لها النبي r، وقمنا له. فقلنا: يا رسول الله! إنها جنازة يهودي. قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا"
[21].

لماذا قام النبي r لهذه الجنازة مع أن صاحبها يهودي؟ يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة، فقاما فقيل لهما: إنها من أهل الأرض - أي من أهل الذمة - قالا: إن النبي r مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي. فقال: "أليست نفساً"
[22].

فعرف من هذا الحديث أن سبب قيامه لها أنها نفس. ولكن هناك رواية تفيد أن الحسن بن علي علَّل قيامه هذا لكيلا تعلو رأسه. روى النسائي أن الحسن بن علي كان جالساً، فمر عليه بجنازة، فقام الناس حتى جاوزت الجنازة، فقال الحسن t: "إنما مر بجنازة يهودي، وكان رسول الله r على طريقها جالساً، فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي، فقام"
[23].

فهذا الذي علل به الحسن قيامه كان اجتهاداً منه، وهو يخالف ما ثبت عن النبي r من تعليله قيامه لها بأنها نفس. فتبين أن الحسن أخطأ في اجتهاده هذا.

قال ابن حجر معلقاً على تعليل الحسن: "التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي r، فكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه، فعلل باجتهاده"
[24].

وقال ابن القيم (ت751هـ)
[25]: "التعليل بكونها نفسا وهذا في الصحيحين ... وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله فلم يأت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة، ولو قدر ثبوتها فهي ظن من الراوي، وتعليل النبي r الذي ذكره بلفظه أولى"[26].


الموقف الصحيح من سبب الحديث بعد عصر النبوة:
بعد عرض الأمثلة السابقة التي تحقق فيها خطأ ما ذهب إليه ابن حمزة، أقول: إن جعل ذكر الصحابي الحديث في الاستدلال به في مسألةٍ سبباً لوروده أمر غير مقبول، لأن الصحابة عندما تعرض لهم أمور لا نص فيها يجتهدون، وإن ذِكرهم الأحاديث في القضايا والأحداث للاستدلال بها فيها نوع من اجتهاداتهم، والمجتهد يجوز عليه الخطأ والصواب، ومرتبة الصحبة؛ وإن كانت شرفاً كبيراً، لا تجعل صاحبها معصوماً من الخطأ.

ومن المعلوم أيضا أن مراسيل الصحابة كثيرة
[27]، فلعل بعضهم سمع الحديث دون معرفة سببه، فأخطأ في فهمه، أو سمع بعض الحديث مباشرة وفاته سماع بعضه، أولم يفهمه جيدا، بل قد يحدث أن صحابياً حضر القصة، أو كانت متعلقة به ولكنه لم يفقهها جيداً، وهذا مثل ما حدث لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها. فكيف تصلح هذه سبباً للأحاديث النبوية التي لها -كما سيتضح لنا فيما بعد- دور عظيم في فهم المقاصد النبوية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية[28] (ت 728هـ): "فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب"[29]. لذلك قال بعض العلماء، كما ذكره ابن حمزة نفسه: "قال شيخ مشايخنا الشيخ غرس الدين الخليلي[30] في حواشي كشف الالتباس: قال بعض أصحابنا الفضلاء وهو أحمد الشاهيني[31] رحمه الله: في جعله –سبب بعد عصر النبوة- سببا نظر ظاهر[32]".
وقال د. محمد محمد أبو شهبة: "والحق أن سبب الورود إنما يراد به السبب الذي بسببه قال النبي r الحديث، وأما ذكر الصحابي للحديث فيما بعد ليستدل به في مناسبة من المناسبات، فإنه لا يسمى سبب ورود، وإنما يسمى سبب ذكر، نقول مثلا: والسبب في ذكر الصحابي رضي الله عنه الحديث، كذا"
[33].

ومع ذلك فإن سبب ذكر الصحابة للحديث قد يعيننا على إدراك معناه الصحيح، لأنهم شهدوا التنزيل وظروفه، وعاينوا الرسول الأعظم وأفعاله، فربما هم فهموا أكثر ممن جاء بعدهم، وقد يكون فقه من جاء بعدهم أدق من فقههم. وقد قال رسول الله r فيما رواه البخاري: "فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلَّغ أوعى من سامع"
[34].

قال الكشميري (ت1352هـ) في قوله: "فرب مبلغ أوعى من سامع": "وفيه أن يمكن أن يكون في الأمة من يفضل الصحابة في الوعي والحفظ، فهذا فضل جزئي. وأما الفضل الكلي فلهم خاصة لما ثبت، فسبقهم بالإسلام والنصرة"
[35].

صورتان أخريان جعلهما ابن حمزة سببين للورود:

هناك صورتان أخريان جعلهما ابن حمزة سبباً لورود الحديث، وهما كما يلي:

الصورة الأولى: شق الحديث الواحد شقين، وجعل الأول منهما سبباً للآخر، ومن أمثلته:
1- حديث "احرص على ما ينفعك، وإياك واللو، فإن اللو يفتح عمل الشيطان"
[36].
قال ابن حمزة: سببه: قال رسول الله r: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك ولا تعجز، فإن غلبك أمر فقل: قدر الله وما شاء صنع، احرص.. فذكره"
[37].

إذا قلنا بهذا المسلك فما من حديث إلا وله سبب؛ لأن ما من حديث إلا وله أول وآخر، فبهذا يصبح أول كل حديث سبباً، وآخره مسبباً، وهذا لا شك أمر لم يقل به أحد من العلماء، وابن حمزة نفسه يقول في مقدمته: "والحديث الشريف في الورود على قسمين: ما له سبب قيل لأجله، وما لا سبب له"
[38].
2- حديث "اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني عبدي فأجزيه بها".
قال ابن حمزة: "سببه كما في الجامع الكبير عن ابن عمر: أن عبدا من عباد الله قال: "رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، فأعضلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبان، فصعدا إلى السماء، فقالا: "ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها". فقال الله عز وجل: - وهو أعلم بما قال عبده -: "ماذا قال عبدي؟". قالا: "يا رب! إنه قال: "رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك". فقال الله تبارك وتعالى: "اكتباها... فذكره "
[39].

هذا، كما هو ظاهر، ليس سببا لذكر النبي r هذا الحديث، وإنما سبب لقول الله تعالى في هذا الحديث القدسي. وهذا يخالف مفهوم سبب الورود الذي ذكره في مقدمته نقلا عن البلقيني: "وما ذكر في هذا النوع من الأسباب، قد يكون ما ذكر عقب ذلك السبب من لفظ النبي أول ما تكلم به r في ذلك الوقت، لأمور تظهر للعارف بهذا الشأن"
[40].
الصورة الثانية: جعل وجود أحد، أو فئة من الناس أثناء خطاب النبي r سببا للحديث:

ومن أمثلة ابن حمزة لها: حديث: "اكفلوا لي ست خصال، أكفل لكم الجنة: الصلاة والزكاة والأمانة والفرج والبطن واللسان" عن أبي هريرة t.

قال: سببه عنه، قال: قال رسول الله r لمن حوله من أمته: اكفلوا لي ... فذكره". ثم قال: "قال المنذري: إسناده لا بأس به". وقال الهيثمي: "فيه حماد الطائي لا أعرفه
[41]، وبقية رجاله ثقات"[42].

ولا يمكن أن يُعتبَر هذا سبباً للحديث؛ لأن من البديهي أن النبي r لا يحدث بحديث في مكان ليس فيه أحد، أو لا يسمع منه أحد؛ إذ لا فائدة فيه، لذلك لم يتكلم إلا وأمامه فرد أو جماعة من الناس. وإذا لم يكن أمامه بشر، فيكون من غير البشر كالجن
[43].
إذا عرفنا هذا، فعرفنا أنه ما من حديث إلا وله سامع فرد، أو جماعة. فلو جعلنا وجود السامع سببا للحديث، فما من حديث إلا وله سبب مثل هذا.




[1]هو الشريف إبراهيم بن محمد بن حسين بن محمد بن حمزة الحراني الأصل، الدمشقي، الحسيني الحنفي. محدث نحوي. ولد بدمشق. توفي بمنزلة ذات حج في صفر. عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، ج1، ص69.
[2] هو محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن محمد القيسي، الشهير بابن ناصر الدين الدمشقي، الشافعي محدث الديار الدمشقية آنذاك، ولد سنة 777هـ، وتوفي سنة 842هـ) (ابن حمزة الحسيني، ذيل طبقات الحفاظ: ص 378).
[3] ابن حمزة الحسيني، البيان والتعريف (بيروت، المكتبة العلمية، ط1، 1402هـ) ج1، ص34.
[4]أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب تحريم حرم مكة، ج2، ص212، رقم الحديث 2020. إسناده ضعيف بعبد الله بن المؤمل. معناه: احتكار الطعام في الحرم وهو شراء القوت في حالة الغلاء ليباع إذا اشتد غلاه وهو حرام في جميع البلاد، وفي الحرم أشد. (إلحاد فيه) أي عن الحق إلى الباطل. العطيم آبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود، ج5، ص349.
[5]ابن حمزة : المصدر نفسه، ج1، ص91.
[6]أخرجه أبو داود: كتاب البيوع، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، ج3، ص290، رقم الحديث 3534، والترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي (تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، بيروت، دار التراث العربي، د.ط، د.ت): كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له، ج2، ص564، رقم الحديث 1264. وقال: حسن غريب. وأنكر صحة هذا الحديث جماعة من الخفاظ، كما قال ابن الملقن الأنصاري (ت 804 هـ): وأعله ابن حزم وابن القطان والبيهقي. وقال أبو حاتم: منكر. وقال الشافعي: إنه ليس بثابت عند أهله. وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبي r من وجه صحيح، فقلت: له طرق ستة كلها ضعاف. ابن الملقن، عمر بن علي: خلاصة البدر المنبر (تحقيق حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي، الرياض، مكتبة الرشد، ط1، 1410هـ) ج2، ص150. ومع ذلك صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ج2، ص675، رقم الحديث 3019.
[7]المصدر نفسه، ج 1، ص111.
[8] ابن حمزة، البيان، ج1، ص116. والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: (تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الموصل، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية، 1983م): ج2، ص269، رقم الحديث2130، وهو ضعيف. انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد (بيروت، دار الكتاب العربي، 1407هـ): ج 8 ، ص106، والألباني، محمد ناصر الدين: ضعيف الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير)، (بيروت، المكتب الإسلامي، ط3، 1990م) ص140.
[9] المصادر السابقة، والبيهقي: السنن الكبرى (تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز، 1994م): ج8، ص161، رقم الحديث 16423.
[10] والقصة بكاملها عن أبي سعيد الخدري، قال: "كنت جالسا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعا، أو مذعورا، قلنا: "ما شأنك؟" قال: "إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه، فسلمت ثلاثا، فلم يرد علي، فرجعت، فقال: "ما منعك أن تأتينا؟". فقلت: "إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثا، فلم يرد علي، فرجعت، وقد قال رسول الله r: "إذا استأذن أحدكم ثلاثا، فلم يؤذن له، فليرجع". فقال عمر: "أقم عليه البيّنة وإلا أوجعتك". فقال أبي بن كعب: "لا يقوم معه إلا أصغر القوم". قال أبو سعيد: قلت: "أنا أصغر القوم". قال: "فاذهب به". (أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثا، ج5، ص1694، رقم الحديث 5890، ومسلم، كتاب الآداب، باب الاستئذان، ج2، ص1694، رقم الحديث 2153. قال النووي: "معنى كلام أبي بن كعب رضي الله عنه الإنكار على عمر في إنكاره الحديث. وأما قوله: ولا يقوم معه إلا أصغر القوم، فمعناه أن هذا حديث مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، حتى أن أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله r" انظر:النووي: يحي بن شرف، شرح صحيح مسلم (بيروت، دار الخير، ط1، 1414هـ) ج5، ص131.
[11]ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص131. والحديث بكامله هكذا: عن أنسt أو غيره: "أن رسول الله r استأذن على سعد بن عبادةt، فقال: "السلام عليكم ورحمة الله". فقال سعد: "وعليك السلام ورحمة الله". ولم يسمع النبيr حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا، ولم يسمعه، فرجع النبيr، واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا هي بأذني، ولقد رددت عليك، ولم أسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك، ومن البركة. ثم أدخله البيت، فقرب له زبيبا، فأكل نبي الله r، فلما فرغ، قال: "أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون" أخرجه أحمد، المسند (بتحقيق وشرح أحمد شاكر، حمزة أحمد الزين، القاهرة، دار الحديث، ط1، 1995م): ج10، ص446، رقم الحديث 12346، وأبو داود، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الدعاء لرب الطعام إذا أكل عنده، ج2، ص262، رقم الحديث 2854، وقال الضياء المقدسي: "إسناده صحيح". الضياء المقدسي: أبو عبد الله ضياء الدين محمد بن عبد الواحد، الأحاديث المختارة (تحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مكة المكرمة، مكتبة النهضة الحديثة، ط1، 1410هـ): ج5، ص157.
[12] هو محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي الشافعي (بدرالدين أبو عبد الله) فقيه، أصولي، محدث، أديب، تركي الأصل، مصري المولد، أخذ عن البلقيني، ورحل إلى حلب، وسمع الحديث بدمشق وغيرها، وتوفي بالقاهرة برجب سنة 794هـ. انظر: عمر كحالة، معجم المؤلفين، ج3، ص174.
[13] أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما، ج1، ص20، رقم الحديث 31، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، ج4، ص2213، رقم الحديث 2888.
[14] يعني علي بن أبي طالبt،كما جاء في رواية مسلم: عن الأحنف بن قيس قال: "خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: "أريد نصر ابن عم رسول اللهr" - يعني علي - قال: فقال لي: يا أحنف! ارجع، فإني سمعت رسول الله r يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار...".
[15]ابن حمزة، المصدر السابق، صج1، ص138.
[16]هو محمد أنوار بن معظم شاه بن الشاه عبد الكبير الكشميري. جاء سلفه من بغداد إلى الهند، ثم إلى "الكشمير". ولد في سنة 1292هـ بالكشمير.وله تصانيف منها هذا الكتاب، العرف الشذي على جامع الترمذي. توفي بديوبند سنة 1353هـ. انظر: البنوري، محمد يوسف بن السيد زكريا، نفحة العنبر في حياة إمام العصر الشيخ أنور (ديوبند، بيت الحكمت، ط3، 1414هـ) ص1-19.
[17] الكشميري: محمد أنور، فيض الباري على صحيح البخاري، (تحقيق محمد بدر عالم الميرتهي، الهند، رباني بك دفو دهلي، د.ط ، 2000م) ج1، ص 121.
[18] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج1، ص120.
[19] هو محيى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الشافعي، ولد في المحرم سنة 631هـ صنف التصانيف النافعة في الحديث والفقه وغيرها كشرح مسلم، والأذكار، ورياض الصالحين، والتقريب، وتهذيب الأسماء واللغات، وغير ذلك. وكان إماما بارعا حافظا متقنا. ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد أبي شامة، مات في 676هـ. انظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ج1، ص513.
[20]النووي، شرح صحيح مسلم، ج6، ص11.
[21] أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي، ج1، ص441، رقم الحديث 1249، ومسلم: كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة،ج2، ص660، رقم الحديث 960.
[22] أخرجه البخاري: الكتاب والباب السابقان، ج1، ص441، رقم الحديث 1250، ومسلم: الكتاب والباب السابقان، ج2، ص661، رقم الحديث 961.
[23] أخرجه النسائي، أحمد بن شعيب: السنن المجتبى (حلب، مكتبة المطبوعات الإسلامية، ط2، 1992م) كتاب الجنائز، باب الرخصة في ترك القيام، ج4، ص67، رقم الحديث 1927. صححه الألباني لشاهد حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى. صحيح سنن النسائي (بيروت، المكتب الإسلامي، ط1، 1988م) ج2، 415.
[24] ابن حجر، فتح الباري، ج3، ص180.
[25]هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد المشهور بابن قيم الجوزية. ولد في سنة 691هـ. لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ عنه، وله اعتناء بعلم الحديث. وتوفي سنة 751هـ. من تصانيفه الكثيرة؛ منها الكتب التي ذكرت في هذا البحث، والطرق الحكمية، ومدارج السالكين، واجتماع الجيوش الإسلامية. انظر: ابن مفلح، محمد بن أحمد:، المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد (تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الطائف، مكتبة الصديق، ط1، 1408هـ) ج3، ص384-385. عمر كحالة، معجم المؤلفين، ج3، ص164.
[26] ابن القيم، محمد بن أبي بكر: شرح ابن القيم لسنن أبي داود (بيروت، دار الكتب العلمية، د.ط، د.ت)ج8، ص320.
[27] قال النووي: "أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبيr، أو نحوه، مما نعلم أنه لم يحضره، لصغر سنه، أو لتأخر إسلامه، أو غير ذلك، فالمذهب الصحيح المشهور الذي قطع به جمهور أصحابنا، جماهير أهل العلم، أنه حجة، أطبق المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بأن المرسل ليس بحجة على الاحتجاج به، وإدخاله في الصحيح، وفي صحيح البخاري ومسلم من هذا ما لا يحصى". النووي، محيي الدين بن زكريا، المجموع شرح المهذب (جدة، مكتبة الإرشاد، د.ط. 1980م) ج1، ص102-103. ثم إن قول الصحابي الذي لم يأخذ عن الكتب القديمة قولاً لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة وشرح غريب؛ مرفوع حكماً، ذلك كأخبار بدء الخلق، والأنبياء، والملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وكأخبار تضمنت الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، أو يقول: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا". انظر: ظفر أحمد العثماني التهانوي، قواعد في علوم الحديث (تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، القاهرة، دار السلام، ط6، 2000م) ص128، وكلام محققه، عبد الفتاح أبو غدة في هامشه. ويأتي الكلام عنه في الباب الثالث.
[28]وتقي الدين أبو العباس أحمد ابن المفتي شهاب الدين عبد الحليم ابن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين عبد السلام الحراني، أحد الأعلام ولد في سنة 661هـ، وعني بالحديث وخرج وانتقى وبرع في الرجال، وعلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام وعلم الكلام وغير ذلك، وكان من بحور العلم ومن الأذكياء المعدودين والزهاد والأفراد ألف ثلاثمائة مجلدة وامتحن وأوذي مرارا. السيوطي، طبقات الحفاظ، ج1، ص520.
[29]ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، مقدمة في أصول التفسير (مصر، مكتب التراث الإسلامي، د.ط، د.ت) ص60
[30] هو غرس الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم الخليل الخليلي، الشافعي، عالم مشارك في بعض العلوم، توفي سنة1057هـ. كحالة، معجم المؤلفين، ج3، ص93.
[31]هو أحمد بن شاهين القبرسي الأصل، الدمشقي المولد، ولد سنة 995هـ، وناب في القضاء بدمشق، توفي سنة 1053هـ .كحالة، المرجع نفسه، ج1، ص150.
[32] ابن حمزة، المصدر نفسه، ج 1، ص111. غير أن نقله لهذا القول الراجح لا يفيده، لأنه اختار الرأي المخالف.
[33] د. محمد محمد أبو شهبة، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث (القاهرة، دار الفكر العربي، د.ط، د.ت) ص 468.
[34] أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الخطبة أيام المنى، ج2، ص620، رقم الحديث 1654.
[35]الكشميري، فيض الباري، ج1، ص168.
[36]أخرجه مسلم: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، ج4، ص2052، رقم الحديث 2664، وابن ماجه، محمد بن يزيد، السنن (تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر، د.ط، د.ت): كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، ج2، ص 1394، رقم الحديث 4168، واللفظ له.
[37] ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص 96.
[38] ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، 32.
[39]ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص302.
[40] ابن حمزة، البيان والتعريف، ج1، ص34.
[41] قلت: وفي مجمع الزوائد للهيثمي: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه يحيى بن حماد الطائي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" ج10، ص 301. ثم قال في مكان آخر من مجمع الزوائد، ج1، ص 293 حول هذا الحديث: "رواه الطبراني في الأوسط، وقال: "لا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". ثم قال: "وإسناده حسن".
[42] ابن حمزة، المصدر السابق، ج1، ص307.
[43] كما روى علقمة، قال: "أنا سألت ابن مسعود، فقلت: "هل شهد أحد منكم مع رسول اللهr ليلة الجن؟" قال: "لا، ولكنا كنا مع رسول اللهr ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: "استطير أو اغتيل". قال: "فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: "يا رسول الله! فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم". فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: "فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم" فقال رسول اللهr: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم" .أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، ج1، ص331، رقم الحديث 450.

مفهوم سبب ورود الحديث عند السيوطي

مفهوم سبب ورود الحديث عند السيوطي

د. محمد عصري زين العابدين
(moasriza@yahoo.com)

لم يذكر الإمام السيوطي[1] (ت911هـ) تعريفاً، أو مفهوماً لسبب ورود الحديث في كتابه "أسباب ورود الحديث"، ولا في "تدريب الراوي". ولم تظهر في أية عبارة من عباراته لمحة تسعفنا لنستنبط منها حتى مفهوم سبب ورود الحديث عنده، إن لم يكن تعريفا.

ولكن حاول محقق كتابه "أسباب ورود الحديث. أو اللمع في أسباب الحديث"، الدكتور. يحي إسماعيل في مقدمة تحقيقه، أن ينسب إليه تعريفا لسبب ورود الحديث مقيسا على قوله في سبب النزول: "ما ورد الحديث أيام وقوعه".

ثم قال في هامشه: "هذا التعريف مقيس على تعريف السيوطي في "لباب النقول في أسباب النزول"، حيث قال: "إنه - أي سبب نزول القرآن - ما نزلت الآية أيام وقوعه"
[2].

مناقشة هذا التعريف المقيس:
ولست أدري هل أراد المحقق بذكر هذا التعريف، أن يشعر القارئ بأن السيوطي لو جاء بتعريف لسبب ورود الحديث لكان على هذا التعريف.
إن كان هذا قصده، فمضمون كتاب السيوطي لا ينطبق على ذلك، ولا يؤيده. وذلك لأن السيوطي عند ما عرّف سبب النزول في الإتقان بـ"ما نزل أيام وقوعه" أراد بذلك أن يخرج منه أمثال ما ذكر الواحدي
[3] في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الأخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك. وكذلك ذكره في قوله "واتخذ الله إبراهيم خليلا" سبب اتخاذه خليلا، فليس ذلك من أسباب نزول القرآن، كما لا يخفى"[4].

فحسبما حرره السيوطي في سبب النزول تبين أن سبب النزول عنده مقصور على ما حدث في عصر النزول، لا ما حدث قبله أو بعده.

وأما موقفه في سبب ورود الحديث فهو اختلف تماما عن موقفه في سبب النزول؛ لأنه عند ذكره حديث عبادة بن الصامت برواية أحمد
[5] أن النبي r قال: "اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا أئتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم".

قال: سببه: قال أحمد في الزهد
[6]: "حدثنا عبد الصمد، ثنا عبد الجليل، ثنا الحسن بن أبي الحسن، قال: "انتهت بنو إسرائيل إلى موسى عليه السلام، فقالوا: إن التوراة تكبر علينا، فأنبئنا بجماع من الأمر فيه تخفيف، فأوحى الله: "قل لهم لا تظالموا في المواريث، ولا تدخلن عينا عبدٍ بيتا حتى يستأذن، وليتوضأ من الطعام ما يتوضأ للصلاة". فاستخفوها يسيرا، ثم أنهم لم يقوموا بها، قال: فقال رسول الله r: "تقبلوا لي بست أتقبل لكم بالجنة: من حدث فلا يكذب، ومن وعد فلا يخلف، ومن ائتمن فلا يخن، احفظوا أيديكم، وأبصاركم، وفروجكم"[7].

لاحظوا أن الذي جعله السيوطي سبباً لورود هذا الحديث، هو من جنس الإخبار عن الوقائع الماضية، فأين هذا السبب من الضابط الذي وضعه هو في كلامه عن سبب النزول السابق، وانتقد الواحدي لمخالفته إياه؟ فليس من الصواب إذاً أن نستنبط من تعريفه لسبب النزول تعريف سبب ورود الحديث، ونقيسه عليه لمخالفته تطبيقه.

وعلى الرغم من أن للسيوطي كتابا خاصا في سبب الورود، وكتبا أخرى متعلقة بعلوم الحديث، فالصحيح أنه لم يُنقل عنه، ولا عن غيره، تعريفٌ ضابطٌ لسبب ورود الحديث، فضلا عن أن يضع هو أو غيره الضوابط والقواعد المتعلقة به.



[1] هو الإمام الشهير، عبد الرحمن بن أبي بكر الطولوني، المصري الشافعي. عالم مشارك في أنواع من العلوم، ولد في رجب 849هـ، ونشأ بالقاهرة يتيما. وقرأ على جماعة من العلماء، ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس، وخلا بنفسه في روضة المقياس على النيل، منزويا عن أصحابه جميعا، فألف أكثر كتبه، وتوفي سنة 911هـ. انظر: عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1414هـ: ج2، ص82).
[2]السيوطي، أسباب ورود الحديث، ص36.
[3]أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري الشافعي، صاحب التفسير، وإمام علماء التأويل، مات بنيسابور في جمادى الآخرة سنة 468هـ. مات بنيسابور في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربع مئة. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج18، ص 339-342
[4] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن (بيروت، المكتبة العصرية، د.ط. 1408هـ) ج1، ص90.
[5] أخرجه أحمد بن حنبل في المسند (تحقيق: أحمد محمد شاكر وحمزة أحمد الزين، القاهرة، دار الحديث،ط1، 1995م) ج16، ص413. ورجاله ثقات إلا أن المطلب لم يسمع من عبادة. انظر: الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد (بيروت، دار الكتاب العربي، 1407هـ) ج4، ص145.وحسّنه لغيره شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لمسند الإمام أحمد. انظر: مسند الإمام أحمد (تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1999م) ج37، ص418.
[6] ولم أجده في زهد الإمام أحمد المطبوع.
[7] أسباب ورود الحديث، ص257. والحديث أخرجه الحاكم، ج5، 513، رقم الحديث 8131 وقال الذهبي: فيه إرسال. والبيهقي: أحمد بن الحسين: شعب الإيمان (بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1990م) ج4، ص78.

مفهوم سبب ورود الحديث عند البلقيني

مفهوم سبب ورود الحديث عند البلقيني[1]

د. محمد عصري زين العابدين
(moasriza@yahoo.com)

إن كتاب البلقيني "محاسن الاصطلاح" يعتبر أقدم المصادر الموجودة بأيدينا اليوم الذي تعرض لهذا الموضوع. وحتى الحافظ ابن حجر (ت852هـ) [2] - وهو محقق كبير- عندما ذكر كتاب أبي حفص العُكبري (ت417هـ) [3] في نزهة النظر، قال: "ومن المهم معرفة سبب الحديث، وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي، وهو أبو حفص العُكْبري، وقد ذكر الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد[4] أن بعض أهل عصره شرع في جمع ذلك، وكأنه ما رأى تصنيف العكبري المذكور"[5].

اكتفى ابن حجر بهذا القدر من الكلام في بيان تطور علم سبب ورود الحديث، ولم يزد عن ثلاثة أسطر، وليس من عادته أن يكتفي بهذه الأسطر القليلة، ولا يتصور لمثله أن يقتصر في شرح مثل هذا الفن العظيم بهذا الاقتصار إلا لسبب من الأسباب. وأرى أن ذلك، إما لأنه قد ذكر ذلك في كتاب مختصر، وإما أنه لم يصل إليه كتاب العكبري بكامله.

والاحتمال الثاني هو الراجح عندي؛ إذ يؤيده قوله في الفتح: "وأما حديث أبي موسى فقوله: "احترق بيت بالمدينة على أهله"
[6] لم أقف على تسميتهم". ثم قال: "قال ابن دقيق العيد: يؤخذ من حديث أبي موسى سبب الأمر في حديث جابر بإطفاء المصابيح، وهو فن حسن غريب، ولو تُتُبِّعَ لحصل منه فوائد".

قال ابن حجر تعليقاً عليه: "قلت: قد أفرده أبو حفص العكبري من شيوخ أبي يعلى بن الفراء
[7] بالتصنيف، وهو في المائة الخامسة، ووقفت على مختصر منه، وكأن الشيخ ما وقف عليه، فلذلك تمنى أن لو تتبع"[8]. هذا دل على أنه لم يحصل على الكتاب بكامله، وإنما الذي عنده مختصره.
وعند ما راجعت "محاسن الاصطلاح للبلقيني" فوجدته افتتح باب سبب الحديث بذكر ما قاله ابن دقيق العيد (ت702هـ)، فقال:
"قال الشيخ أبو الفتح القشيري، المشهور بابن دقيق العيد رحمه الله في شرح العمدة
[9] في الكلام على حديث "إنما الأعمال بالنيات" في المبحث التاسع: شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف أسباب الحديث، كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز، فوقفت من ذلك على شيء يسير له، وحديث "إنما الأعمال بالنيات" يدخل في هذا القبيل، وينضم إلى ذلك نظائر كثيرة لمن قصد تتبُّعَه"[10].
ولم يعلق البلقيني على هذا الكلام، ولم يعقب عليه كما صنع ابن حجر. وهذا يدل على أنه أقرَّ لما قاله ابن دقيق العيد، وعلى أنه لم يصل إليه أيُّ كتابٍ في هذا الفن. فانطلاقا من هذه النقطة، تبين أن البلقيني عندما كتب هذا الموضوع لم يكن بين يديه مصدر يقلده، أو ينسخ منه؛ وإن كانت الفكرة موجودة.

فكتابه في سبب ورود الحديث إذاً، من أسبق ما كتب في هذا الفن، وشأنه فيه كشأن من يبدأ علما، فغالبا ما يذكر شيئا وتفوت عليه أشياء، لذلك جاءت دراسته مقتضبة وغير مرتبة، حتى لا نجد عنده تعريفا خاصا لسبب ورود الحديث الذي هو يبحث فيه، إلا أن نقله كلام ابن دقيق العيد السابق: "شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف أسباب الحديث، كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز"، وعدم تعليقه عليه، يدل على أن تعريف "سبب ورود الحديث" عنده هو نفس تعريف "سبب النزول".

غير أنه بعد ما عرض مجموعةً من الأحاديث التي لها أسبابها قال:
"وما ذُكِرَ في هذا النوع من الأسباب: قد يكون ما ذُكِرَ عقبَ ذلك السبب من لفظ النبي r أولَ ما تكلم به النبي r في ذلك الوقت؛ وقد يكون تكلم به قبل ذلك لنحوِ ذلك السبب، أو لا لسببٍ، وقد يتعين أن يكون أول ما تكلم به في ذلك الوقت، لأمور تظهر للعارف بهذا الشأن"
[11].

يفهم من هذه العبارة أن مفهوم سبب ورود الحديث عنده هو "ما ذُكِرَ قبل الحديث القولي". فهو بذلك خصه بالأحاديث القولية فقط. وأما الأحاديث الفعلية والتقريرية فهي خارجة عن دائرة سبب الورود حسب ما قال البلقيني، وحسب ما ذكر من النماذج.

مناقشة رأي البلقيني وتحليله:
تبيَّن مما سبق أن سبب الورود عند البلقيني محصور في الأحاديث القولية فقط، وليس للأحاديث الفعلية والتقريرية سبب. هذا ما يفهم من قوله: "... من لفظ النبي ...". ومن قوله: "... أول ما تكلم به النبي...". ومن قوله: "... وقد يكون تكلم به...". ومن قوله: "... وقد يتعين أن يكون أول ما تكلم به...". فبذلك يمكن لنا أن نقول: إن سبب ورود الحديث عنده هو "ما لأجله قال النبي r حديثه القولي".

وحصره سبب ورود الحديث في الأحاديث القولية فقط دون غيرها يرفضه واقع أحاديث كثيرة، لأن هناك كثيرا من الأحاديث الفعلية والتقريرية، لها أسباب مروية عن رسول اللهr، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة، نكتفي بذكر بعض منها:

أمثلة من السنن الفعلية التي لها سبب الورود:

1- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "والله لقد رأيت رسول اللهr يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول اللهr، يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، حريصة على اللهو"
[12].

فقولها: "يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم". وقولها: "يقوم من أجلي" حديث فعلي، وله سبب.

2- وعنها رضي الله عنها أيضا، قالت: "لقد رأيتني ورسول الله r يصلي، وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي، فقبضتهما"
[13].

هذا الحديث فعلي خالص، ليس فيه لفظ نبوي، وله سبب، وهو غمزه r رجلها لكي تفسح له مكان سجوده في الصلاة، وإلا لكان هذا الفعل عبثاً ولغواً في الصلاة، وحاشا أن يفعل رسول الله r في صلاته عبثاً أو لغواً.

3- وقال أنس بن مالك t: "كان رسول اللهr يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة"
[14].

يتضح من هذا الحديث أن سبب تخفيف قراءته وتقصيرها بكاء الصبي. وتخفيف القراءة وتقصيرها ليس لفظا، وإنما هو فعل، وله سبب، وهو بكاء الصبي.

ومن الأحاديث التقريرية
[15]:
1- عن أنس بن مالك t: "أن رسول اللهr خرج، فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة". ثم أكثر أن يقول: "سلوني"، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدr نبياً، فسكت"
[16].

فعدم رد النبي r على ما قاله عمر، واكتفاؤه بالسكوت تعبيرٌ عن رضاه للقول، كما قال ابن حجر العسقلاني (ت852هـ): "فرضي النبي r بذلك فسكت"
[17].

2- عن أبي هريرة t: أن النبي r كان يوما يحدث - وعنده رجل من أهل البادية -: "أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: "ألستَ فيما شئتَ؟". قال: "بلى، ولكني أحب أن أزرع". قال: "فبذر، فبادر الطرفَ
[18]نباتُه واستواؤه واستحصادُه، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: "دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء". فقال الأعرابي: "والله لا تجده إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع". فضحك النبي r[19].

وليس في هذا الحديث لفظ نبوي، وضحكه r علامة على عدم إنكاره ما قاله الأعرابي.
فهو حديث تقريري، وله سبب.

3- عن عمر t، أنه دخل على حفصة، فقال: "يا بنية! لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله r إياها" - يريد عائشة رضي الله عنها -، فقصصتُ على رسول الله r، فتبسم
[20].
وتبسمه r دليل على رضاه عما فعل عمر. فهو حديث تقريري، وله سبب وهو قول عمر ما قال.

فمثل هذه الأحاديث حسب قول البلقيني لا تعد من الأحاديث التي لها أسباب الورود، مع أن لها أسباب كما رأينا في الأمثلة السابقة.

موقف البلقيني من سبب الورود بعد عصر النبوة:

يتضح من خلال المجموعة الحديثية التي عرضها البلقيني في هذا المبحث أنه يرى الأخذ بسبب الورود الذي كان في عصر النبوة، لا الذي حصل بعده، فإن تلك المجموعة من الأحاديث كلها من الأحاديث التي لها أسباب في عصر النبوة، لا بعده.

إلا أن هناك كلاما يدل على أن البلقيني لا يرى الأخذ بالسبب بعد عصر النبوة، حيث إنه ذكر لحديث "الخراج بالضمان" سبباً مرفوعا إلى النبي r (أي سببا في عصر النبي r)، وذلك السبب هو أن رجلاً ابتاع عبداً، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي r فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله! قد استغل غلامي؟ فقال رسول الله r: "الخراج بالضمان". وعلق البلقيني عليه بقوله: "وذكر السبب يتبين به الفقه في المسألة". ثم قال -وهو شاهدنا -:
"وقد جاء في سنن أبي داود أمر آخر يفهم منه تعدي ذلك إلى الغاصب
[21]، قال أبو داود[22]: حدثنا محمود بن خالد الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن مخلد بن خفاف الغفاري، قال: "كان بيني وبين أناس شركة في عبد، فاقتويته[23]، وبعضنا غائب، فأغل[24] علي غلة، فخاصمني في نصيبه إلى بعض القضاة، فأمرني أن أرد الغلة، فأتيت عروة بن الزبير، فحدثته، فأتاه عروة فحدثه عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله r قال: "الخراج بالضمان".

ثم قال البلقيني: "وقد أخذ بهذا العموم جماعة من العلماء من المدنيين والكوفيين، والأخذ بالسبب المرفوع أقوى، لأمور ليس هذا موضع بسطها"
[25].

فقوله: "والأخذ بالسبب المرفوع أقوى" أي الأخذ بالسبب في عصر النبوة أقوى من السبب بعد عصر النبوة. فهذا يستشفُّ منه أنه لا يرضى الأخذ بما حصل من الأسباب بعد عصر النبوة. وأما الأمور التي ترك بيانها هنا فيا ليت لو بسطها في هذا الموضع لحلت لنا كثيراً من المشكلات التي اعترتنا في هذا المبحث في سبيل القطع بالأخذ بالسبب بعد عصر النبوة.













[1] هو الإمام سراج الدين، أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير الكناني الشافعي. ولد في ثاني شعبان سنة 724هـ. وأجاز له المزي والذهبي وخلق لا يحصون، وأخذ الفقه عن ابن عدلان والتقي السبكي، والنحو عن أبي حيان، وانتهت إليه رياسة المذهب والإفتاء. وولي قضاء الشام سنة 769هـ نيابة عن الإمام تاج الدين السبكي، فباشره دون السنة، وولي تدريس الخشابية والتفسير بجامع ابن طولون والظاهرية وغير ذلك. وألف في علم الحديث محاسن الاصطلاح وتضمين ابن الصلاح، وله شرح على البخاري والترمذي وأشياء أخر. مات في عاشر ذي القعدة سنة 805هـ. السيوطي: طبقات الحفاظ، ج1، ص 543-542.
[2]هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي، وكان شيخ الإسلام وإمام الحفاظ في زمانه، وحافظ الديار المصرية، بل حافظ الدنيا مطلقا آنذاك. ولد في سنة 773هـ، وبدأ طلب الحديث من سنة 794هـ، فسمع الكثير ورحل، ولازم شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي، وبرع في الحديث، وتقدم في جميع فنونه. )انظر: السيوطي، المرجع نفسه ج1، ص552(.
[3] أبو حفص العكبري هذا من هو؟ لم أستطع القطع به، ولكن في ضوء ما قال ابن حجر عنه كما سيأتي: "إنه من شيوخ أبي يعلى بن الفراء، وهو في المائة الخامسة" يبدو لي أنه عمر بن أحمد بن عثمان أبو حفص البزاز، المعروف بابن أبي عمرو من أهل عكبرا. قال الخطيب: كتبت عنه بعكبرا في سنة 410هـ، وكان ثقة أمينا مقبول الشهادة عند الحكام، مات في سنة سبع عشرة وأربعمائة، ومولده في سنة عشرين وثلاثمائة. هكذا قال الخطيب في تاريخ بغداد (دار الكتب العلمية، بيروت، د.ط، د.ت) ج 11، ص273.
وهو الذي ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء (تحقيق شعيب الأرنؤوط وزميله، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط9، 1413هـ): ج17، ص360. إلا أنه أخطأ في نقله عن الخطيب "أرخ الخطيب وفاته في سنة سبع عشرة وثلثمائة" بوقوع بصره عند كتابة السنة على سنة ميلاده، والدليل على ذلك أن الذهبي لم يذكر سنة ميلاده، وليس من عادته أن يترك كتابة تاريخ ميلاد المترجم له إذا عرف. قلت: فهو من المائة الخامسة، وهو من شيوخ الخطيب، كما أن أبا يعلى بن الفراء أيضا من شيوخ الخطيب. أما كونه "أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء العكبري المتوفى سنة 339هـ" كما قال أحمد شاكر في شرح ألفية السيوطي في علم الحديث (د. م، المكتبة العلمية، د.ط، د.ت): ص106 ولا أرى في ذلك صوابا.
[4] هو الإمام الفقيه المحدث، شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح، محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي الصعيدي المالكي والشافعي، صاحب التصانيف، ولد في شعبان سنة 625هـ بقرب ينبع من الحجاز، وتوفي في صفر سنة 702هـ. الذهبي: تذكرة الحفاظ: (تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الرياض، دار الصميعي، ط1، 1415هـ): ج4، ص1481.
[5] ابن حجر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ص125-126.
[6] وهو عن أبي موسى t قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فحدث بشأنهم r، قال: "إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم". صحيح البخاري: كتاب الاستئذان، باب لا تترك النار في البيت عند النوم ج5، ص 2319، رقم الحديث 5936.
[7] هو القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي ابن الفراء صاحب التعليقة الكبرى والتصانيف المفيدة في المذهب، ولد في المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة، وسمع علي بن عمر الحربي وإسماعيل بن سويد وأبا القاسم بن حبابة وطائفة، وحدث عنه الخطيب وأبو الخطاب الكلوذاني وأبو الوفاء بن عقيل وأبو غالب ابن البناء وابنه القاضي أبو الحسين محمد بن محمد ابن الفراء، وكان عالم العراق في زمانه مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره والنظر والأصول، وكان أبوه من أعيان الحنفية، وتوفي سنة 458هـ. الخطيب، تاريخ بغداد ج2، ص 256، والذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 18، ص 89.
[8] ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري (تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، بيروت، دار الفكر، ط1، 1993م): ج12، ص360.
[9] يريد به إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام.
[10] البلقيني، عمر بن رسلان: محاسن الاصطلاح، (تحقيق خليل المنصور، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1999م): ص355.
[11] البلقيني، المصدر السابق، ص365.
[12] أخرجه البخاري، محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري (تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، بيروت، دار ابن كثير، ط3، 1986م) كتاب المساجد، باب أصحاب الحراب في المسجد، ج1، ص172 رقم الحديث 443، ومسلم، مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم (تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ط.، د. ت) كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، ج2، ص609، رقم الحديث 892 واللفظ لمسلم.
[13] أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد، رقم الحديث 497، ومسلم: كتاب، باب، ج1، ص367، رقم الحديث 512.
[14] أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكـاء الصبي، ج1، ص250، رقم الحديث 676 ومسلم: كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، ج1،ص340، رقم الحديث 470 واللفظ له.
[15] الحديث التقريري هو أن يقر الرسول r أمرا علمه عن أحد أصحابه من قول، أو فعل، سواء أكان ذلك في حضرته عليه الصلاة والسلام، أو مما بلغه. ويكون الإقرار بسكوتٍ مع دلالة الرضا، أو بإظهارِ استحسانٍ وقبولٍ. ذلك أن الأمر لو كان غير مشروع لما أقره عليه، لأن الرسول يحمل أمانة الشريعة، وتبليغ رسالة السماء إلى سكان الأرض، وهذا بالإضافة إلى كونه معصوما، ويتنافى مع ذلك كله عدمُ إنكاره لشيء مخالف وغير مشروع. انظر: د. محمد أديب صالح، لمحات في أصول الحديث (بيروت، المكتب الإسلامي، ط5، 1409هـ: ص29).
قد يظن أن التقرير هو سكوته r على شيء فقط. والأمر ليس كذلك، بل التقرير: هو كل ما دل على إقرار الرسول r على ما حدث في حضرته، أو مما بلغه، بأي أسلوب إقراري كان. وحتى جعل بعض المحققين إقراره بالقول أيضا من التقرير. قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: "فإن عماد الإقرار هو الرضا والموافقة على ما صدر من غيره بالسكوت منه، أو بالثناء، والاستبشار. أما الإنشاء فهو غيره، وهو أن يبدأ الرسول r ببيان الشيء من تلقاء نفسه، فيصرح بجوازه أو يشير إليه. أما إذا صحب أو لحق صدور ذاك القول، أو الفعل من القائم به: استبشارٌ من النبي r، أو تبسَّمٌ، أو إقرارٌ قوليٌّ بمثل قوله: "صدق سلمان"، وقوله: "أصبت السنة"، وقوله في حديث دابة البحر- العنبر -: "هل معكم من لحمه شيء فتطعموننا"، وقوله: "وما أدراك أنها رقية؟ خذوها - أي الغنم- واضربوا لي معكم بسهم"، وقوله: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرفعة" أي سماوات. إذا صحبه هذا كان من أقوى الإقرار وأوضحه في الدلالة على جواز ذلك القول أو الفعل، كما ذكره علماء أصول الفقه في مبحث التقرير من كتبهم، وعلماء مصطلح الحديث في كتبهم". عبد الفتاح أبو غدة، التتمات الخمس (القاهرة، دار السلام، ط5، 1421هـ: ص98).
[16]أخرجه البخاري:كتاب العلم، باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث، ج1، ص47، رقم الحديث 93 ومسلم: كتاب الفضائل، باب توقير r وترك إكثار السؤال عما لا ضرورة إليه، ج4، ص1832، رقم الحديث 2359.
[17] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج1، ص254.
[18] أي أسرع. والطرف: امتداد لحظ الإنسان إلى أقصى ما يراه. ويطلق أيضا على حركة جفن العين، وكأنه المراد هنا. والمراد أنه لما بذر لم يكن بين ذلك وبين استواء الزرع ونجاز أمره كله من القلع والحصد والتذرية والجمع والتكويم إلا قدر لمحة البصر (انظر:ابن حجر العسقلاني، فتح الباري, ج5, ص297)
[19] أخرجه البخاري: كتاب المزارعة، باب كراء الأرض بالذهب والفضة، ج2، ص826، رقم الحديث 2221.
[20] أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب حب الرجل بعض نسائه، ج5، ص2001، رقم الحديث 4920.
[21] هو يريد بذلك أن المقصود بالعيب الذي يرد به المبتاع هو ليس عاما لكل عيب، وإنما المقصود به عيب في الجسد. ولكن البلقيني استنبط من حديث أبي داود الآتي عيبا في الأخلاق مثل الغصب، وهو أمر لا يرضى بذلك البلقيني، وهو سبب حصل بعد عصر النبوة.
[22] أبو داود: كتاب البيوع، باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله فوجد به عيباً، ج3، ص284، رقم الحديث 3509. قال الشوكاني: ولهذا الحديث في سنن أبي داود ثلاث طرق؛ اثنتان رجالهما رجال الصحيح، والثالثة قال أبو داود إسنادها ليس بذاك، ولعل سبب ذلك أن فيه مسلم بن خالد الزنجي، شيخ الشافعي، وقد وثقه يحيى بن معين وتابعه عمر بن علي المقدمي وهو متفق على الاحتجاج به. الشوكاني، محمد بن علي: نيل الأوطار، (بيروت، دار الجيل، د.ط، 1972م) ج5، ص326. والألباني حسّنه في صحيح سنن أبي داود ج2، ص679، رقم الحديث 2994.
[23] أي استخدمته. العظيم آبادي، العطيم آبادي: شمس الحق، عون المعبود شرح سنن أبي داود (بيروت، دار الكتب العلمية، د.ط.، د.ت)، ج9، ص303.
[24] والغَلَّة : الدَّخْل الذي يَحْصُل من الزَّرْع والثَّمر , واللبن والاجارة والنتِّاج ونحو ذلك. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث (تحقيق طاهر أحمد الزاوي، بيروت، دار الفكر، ط3، 1979م)ج 3، ص 381.
[25]البلقيني، محاسن الاصطلاح، ص361.